SNW

Content on this page requires a newer version of Adobe Flash Player.

Get Adobe Flash player

  قبســـات

إعراض القلب عن الطلب من الله والرجاء له يوجب انصراف قلبه عن العبودية لله. (العبودية: 78)



1441533093_7507069134.jpg
مع الأنبياء

معالم التوحيد في دعوة إبراهيم عليه السلام (6)

معالم التوحيد في دعوة إبراهيم عليه السلام (6)
معالم التوحيد في دعوة إبراهيم عليه السلام (6)

بتاريخ: 2018-06-26 03:40:03

اللجنة العلمية لموقع دعوة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام

لجأ إبراهيم - عليه السلام - لحوار من نوع مختلف مع أبيه وقومه، حوار يمتزج فيه الأسلوب العملي بالاستهلال التشويقي البارع، ويختلط فيه قرع العقول بمخاطبة القلوب، وتتداخل فيه دلالات عقيدة التوحيد مع بيانات بطلان عبادة الأصنام والأوثان.

قال تعالى:

}وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ (51) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (52) قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ (53) قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (54) قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ (55) قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (56) وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (57) فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ (58) قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ (59) قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ (60) قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ (61) قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَاإِبْرَاهِيمُ (62) قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (63) فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ (64) ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ (65) قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ (66) أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (67) قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (68) قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (69) وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ (70) وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ (71) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ (72){[الأنبياء:51-72].

تبدأ الآيات بالإشارة إلى سبق هداية إبراهيم - عليه السلام - إلى الرشد، ويعني به الهداية إلى التوحيد، فهذا هو الرشد الأكبر الذي تنصرف إليه لفظة الرشد في هذا المقام الكريم.

ثم يأتي الاستهلال البارع إذ طرح - عليه السلام - سؤالًا صادمًا على قومه:}مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ{، وعبرهنا بلفظة تماثيل ولم يقل: إنها آلهة، كما عبّر عن عبادتهم لها بمطلق العكُوف الذي هو عبارةٌ عن اللزوم والاستمرار على الشيء لغرض من الأغراض قصدًا إلى تحقيرها وإذلالها وتوبيخًا لهم على إجلالها.

وحينما جاء الجواب من قومه جواب العاجز، الذي ليس بيده شئ بأنهم يسيرون على نهج من سبقهم من الآباء، إذ لم يكن لهم ملجأٌ يعتدّ به سوى التقليد، فأجابوا بغير حجة، وهو جواب يدل على التحجر العقلي والنفسي داخل قوالب التقليد الميتة، في مقابل ما عليه إبراهيم – عليه السلام - من حرية الإيمان، وانطلاقه للنظر والتدبر، وتقويم الأشياء والأوضاع بقيمها الحقيقية لا التقليدية.

فاجئهم إبراهيم - عليه السلام - حينذاك بتقرير بطلان ما هم عليه من وراثة عبادة الأصنام والأوثان، مع ضلالهم وضلال من سنوا لهم هذه العبادة الباطلة، }لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ{، أي ظاهر بيّن بحيثُ لا يَخْفى على أحد من العقلاء،  في مقابلة الإيمان باللّه الذي هو طلاقة وتحرر من القداسات الوهمية التقليدية، والوراثات المتحجرة التي لا تقوم على دليل.

واستغل الصدمات التي وجهها إلى عقولهم لتقرير العقيدة الصحيحة، عقيدة التوحيد، }بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ{، فنراه وقد أعرض عن كونه لاعبًا بإقامة البرهانِ على ما ادّعاه، كما أعرض عما بنوا عليه مقالهم من اعتقاد كونها أربابًا، ولم يلتفت البتة إلى اسئلتهم الساذجة.

 وهكذا الداعية لا يلتفت إلا لمنهجه ودعوته وأهدافه، مهما بلغت سخافة من يدعوهم، وخفة عقولهم، وطيش أفئدتهم.

وقد جمع لهم - عليه السلام - في حواره هذا بين الدليل العقلي، والدليل السمعي لتقرير عقيدة التوحيد..

أما الدليل العقلي: فإنه قد علم كل أحد حتى هؤلاء الذين جادلهم إبراهيم - عليه السلام -، أن الله وحده، الخالق لجميع المخلوقات، من بني آدم، والملائكة، والجن، والبهائم، والسماوات، والأرض، المدبر لهن، بجميع أنواع التدبير، فيكون كل مخلوق مفطورًا مدبرًا متصرفًا فيه، ودخل في ذلك، جميع ما عبد من دون الله.

أفيليق عند من له أدنى مسكة من عقل وتمييز، أن يعبد مخلوقًا متصرفًا فيه، لا يملك نفعًا، ولا ضرًا، ولا موتًا، ولا حياة، ولا نشورًا، ويدع عبادة الخالق الرازق المدبر؟!

أما الدليل السمعي: فهو المنقول عن الرسل عليهم الصلاة والسلام، فإن ما جاءوا به معصوم لا يغلط ولا يخبر بغير الحق، ومن أنواع هذا القسم شهادة أحد من الرسل على ذلك فلهذا قال إبراهيم - عليه السلام -: {وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ} أي: أن الله وحده المعبود وأن عبادة ما سواه باطل {مِنَ الشَّاهِدِينَ} وأي شهادة بعد شهادة الله أعلى من شهادة الرسل؟ خصوصًا أولي العزم منهم خصوصًا خليل الرحمن!

وأكد على أن ما جاء به ليس تقليدًا ولاسيرًا على نهج الآباء كحالهم مع معبوداتهم، بل {أَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ } أي العالِمين به على سبيل الحقيقةِ المُبرهنين عليه، فإن الشاهدَ على الشيء مَنْ تحققه وحقّقه، وشهادتُه على ذلك إدلاؤه بالحجة عليه وإثباتُه بها كأنه قال وأنا أبين ذلك وأبرهن عليه.

وهو- عليه السلام - لم يشهد خلق السماوات والأرض، ولم يشهد خلق نفسه ولا قومه، ولكن الأمر من الوضوح والثبوت إلى حد أن يشهد المؤمنون عليه واثقين.. إن كل ما في الكون لينطق بوحدة الخالق المدبر.. وإن كل ما في كيان الإنسان ليهتف به إلى الإقرار بوحدانية الخالق المدبر.

ويأتي هذا التقرير الجلي الواضح في مواجه التيه الذي يتخبط فيه من لا يدينون بعقيدة التوحيد الناصعة الواضحة المستقيمة في العقل والضمير }فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ{.

وسار إبراهيم - عليه السلام - بعد هذا الحوار الموجز والمختصر، وبعد إعلانه بطلان معتقداتهم وتقرير عقيدة التوحيد، سار في خطوة عملية متقدمة، وهي تحطيم هذه الأصنام ليؤكد لهم صحه دعواه أنها مجرد أحجار لا تقوى على الدفاع عن نفسها }فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ{.

كانت صدمة هائلة لعبدة الأصنام والأوثان أن يجدوا معبوداتهم منكسة الرأس، مهشمة الأعضاء، وحين سئلوا عن الفاعل وتوجهوا إلى إبراهيم - عليه السلام -،أجابهم بقوله: }فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا} ، حيث سلك -عليه السلام- مسلكًا تعريضيًا يؤديه إلى مقصِده الذي هو إلزامُهم الحجّةَ على ألطف وجه وأحسنه بحملهم على التأمل في شأن آلهتهم مع مافيه من التوقي من الكذب.

وباغتهم بحقيقة أخرى رغم وضوحها، أن يتوجهوا بأسئلتهم لمعبوداتهم لتخبرهم من فعل بها هذا الصنيع:} فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ{، ولم يقل - عليه السلام - إن كانوا يسمعون أو يعقِلون مع أن السؤال موقوفٌ على السمع والعقل أيضًا؛ لان عدم نطقِهم أظهرُ وأبين.

وهو بهذا التوجيه أخذ منهم اعترافًا صريحًا واضحًا }مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُون{، ومن ثم جاءت الفرصة سانحة مجددًا لمخاطبه عقولهم بعد هذه الصدمات المتوالية والواقع العملي الذي شاهدوه بأم أعينهم }أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ (*) أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ{.

فإذا كانت هذه الجمادات الصامتة لا تجيبكم على شيء، ولا تقوى أن تدفع عنها نفسها، فإنها أفقر من تأتي لكم بخير أو تدفع عنكم الضر، وعدم إدراك هذه الحقيقة هو من قلة العقل وسفاهة الأحلام!

وهكذا انتهى الحوار الذي أغاظ الكفار ولم يجدوا سبيلًا لمواجهته سوى التهديد والوعيد، تمامًا كما فعل آزر حينما دعاه إبراهيم - عليه السلام -،ولكن الله يحفظ إبراهيم من كل سوء؛ ليمضي في تبليغ دعوته، فالنار تكون بردًا وسلامًا، وينجو إبراهيم - عليه السلام -، ويكون الخسران من نصيب  المعاندين المكابرين.

مرات القراءة: 165

مرات الطباعة: 5

* مرفقات الموضوع
 
تعليقات الموقع تعليقات الفيسبوك