SNW

Content on this page requires a newer version of Adobe Flash Player.

Get Adobe Flash player

  قبســـات

"إعراض القلب عن الطلب من الله والرجاء له يوجب انصراف قلبه عن العبودية لله". (العبودية: ص 78)



1441533093_7507069134.jpg
مع الأنبياء

معالم التوحيد في دعوة يوسف عليه السلام (4)

معالم التوحيد في دعوة يوسف عليه السلام
معالم التوحيد في دعوة يوسف عليه السلام

بتاريخ: 2018-09-25 06:53:47

اللجنة العلمية لموقع دعوة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام

 كاد يوسف - عليه السلام - ألا يسكت حين أَخَذَ في شرح التوحيد وذِكْر المعبود، وفي الخَبَر: "مَنْ أحبّ شيئًا أَكْثَرَ مِنْ ذِكْرِهِ"، وليس شيئًا أحب إلى أنبياء الله تعالى مِن ذِكْر الله وتذكير العباد بخالقهم.

 فلما ذكر - عليه السلام - ما هو عليه من الدِّين القويم تلطف فى حُسن الاستدلال على فساد ما عليه قوم الفتيين من عبادة الأصنام، فأقبل عليهما بالمخاطبة والدعاء لهما إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وخلع ما سواه من الأوثان التي يعبدها قومهما.

 وقد رتب لهما الاستدلال بوجه خطابي قريب من أفهام العامة، إذ فرض لهما إلهًا واحدًا متفردًا بالإلهية كما هو حال ملته التي أخبرهم بها، وفرض لهما آلهة متفرقين كل إله منهم إنما يتصرف في أشياء معينة من أنواع الموجودات تحت سلطانه لا يعدوها إلى ما هو من نطاق سلطان غيره منهم، وذلك حال ملتهم.

 ثم فرض لهما مفاضلة بين مجموع الحالين -حال الإله المنفرد بالإلهية والأحوال المتفرقة للآلهة المتعددين- ليصل بذلك إلى إقناعهما بأن حال المنفرد بالإلهية أعظم وأغنى، فيرجعان عن اعتقاد تعدد الآلهة.

 قال الله تعالى:

} يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ{ [يوسف: 39].

 ناداهما يوسف -عليه السلام- بعنوان الصُّحْبَة في دار الأحزان التي تصفو فيها المودة وتخلص النصيحة ليقبلا عليه ويقبلا مقالته، وقد ضرب لهما مثلًا يتضح به الحق عندهما حق اتضاح.

 فقال:}أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ{ أي: لا ارتباط بينهم، فهي متفرقة ما بين أشجار وأحجار وملائكة وأموات، وغير ذلك من أنواع المعبودات التي يتخذها المشركون، كما أنها عاجزة ضعيفة لا تنفع ولا تضر، ولا تعطي ولا تمنع، فهم مُتَفَرِّقُونَ متكثرون في العدد متماثلون في عدم القدرة والاختيار، وهو بذلك ينبه على فساد تعدد الأرباب.

 وهي إشارة إلى معرفة يوسف - عليه السلام - لما كان عليه أهل مصر في عهده، من عبادة أصنام شتى، فكانوا يسجدون للشمس وللقمر والنجوم والأشخاص البشرية والحيوانات، حتى الهوامّ وأدنى حشرات الأرض.

 وهكذا كان سَعْيُ الأنبياء -عليهم السلام- في المنع من عبادة الأوثان، فلهذا السبب شَرَعَ يوسف -عليه السلام- في ذِكْر ما يَدُلُّ على فساد القَوْل بعبادة الأصنام وذكر أنواعًا من الدلائل والحجج.

 أتلك {خَيْر{ عندكم وأحق بعبادتكم وانقيادكم }أَمِ اللَّهُ} الذي له صفات الكمال، {الْوَاحِدُ} في ذاته وصفاته وأفعاله فلا شريك له في شيء من ذلك، فهو الأحد المتوحد في ذاته المستقل في ألوهيته وربوبيته المستغنى عن المظاهر مطلقًا.

 {الْقَهَّارُ} الذي انقادت الأشياء لقهره وسلطانه، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن.

 ومن المعلوم أنَّ مَنْ هذا شأنه ووصفه خير من الآلهة المتفرقة التي هي مجرد أسماء، لا كمال لها ولا أفعال لديها من وجهين:

 · الوجه الأول: أن عبادة رب واحد وإرضاءه خيرٌ من عبادة عدد متفرق متنازع، لأنه إذا عبد بعضًا واجتهد في إرضائهم أسخط الباقين؛ فلا سبيل إلى الوصول إلى مقصوده والظفر بحاجته؛ إذ لا يقدر على إرضائهم جميعًا، وإن اجتهد، وأما الواحد: فإنه يقدر على إرضائه؛ إذ لا يزال يكون في عبادته وإرضائه؛ فيصل إلى حاجته والظفر بمقصوده.

 · الوجه الثاني: أن الواحد القهار يقهر غيره من الأرباب؛ فعبادة الواحد القهار خير من عبادة عدد مقهورين.

 وهذا النداء والتوجيه من يوسف -عليه السلام- يثير سؤالين:

 - السؤال الأول: لم سماها أربابًا وليست كذلك؟

 والجواب: لاعتقادهم فيها أنها كذلك، وأيضا الكلام خرج على سبيل الفرض والتقدير: والمعنى أنها إن كانت أربابًا فهي خير أم الله الواحد القهار.

 - السؤال الثاني: هل يجوز التفاضل بين الأصنام وبين الله - تعالى - حتى يُقال إنها خير أم الله الواحد القهار؟

 الجواب: أنه خرج على سبيل الفَرْض، والمعنى: لو سَلَّمْنَا أنه حَصُلَ منها ما يوجب الخير فهي خير أم الله الواحد القهار.

 وقد دَلَّ قول يوسف -عليه السلام- على أَنَّ الشرعَ كما جاء مطالبًا بالاعتقاد، جاء هاديًا لوجه الحَسَن فيه، وذلك أن هذه الآية تشير إشارة واضحة إلى أن تفرّق الآلهة يفرّق بين البشر في وجهة قلوبهم إلى أعظم سلطان يتخذونه فوق قوتهم. وهو يذهب بكل فريق إلى التعصب لما وجه قلبه إليه، وفي ذلك فساد نظامهم كما لا يخفى. أما اعتقاد جميعهم بإله واحد، فهو توحيد لمنازع نفوسهم إلى سلطان واحد، يخضع الجميع لحكمه، وهي قاعدة سعادتهم فالشرع جاء مبينًا للواقع في أن معرفة الله بصفاته حسنة في نفسها.

 لقد رسم يوسف - عليه السلام - بهذه الكلمات القليلة الناصعة الحاسمة المنيرة، كل معالم هذا الدين، وكل مقومات هذه العقيدة.

 إن الفطرة تعرف لها إلها واحدًا ففيم إذن تعدد الأرباب؟!

 إن الذي يستحق أن يكون ربا يعبد ويطاع أمره ويتبع شرعه هو اللّه الواحد القهار.

 متى توحد الإله وتقرر سلطانه القاهر في الوجود فيجب تبعًا لذلك أن يتوحد الرب وسلطانه القاهر في حياة الناس.

 ما يجوز لحظة واحدة أن يعرف الناس أن اللّه واحد، وأنه هو القاهر، ثم يدينوا لغيره ويخضعوا لأمره، ويتخذوا بذلك من دون اللّه ربًا.

 إن الرب لابد أن يكون إلها يملك أمر هذا الكون ويسيره.

 ولا ينبغي أن يكون العاجز عن تسيير أمر هذا الكون كله ربًا للناس يقهرهم بحكمه، وهو لا يقهر هذا الكون كله بأمره!

 واللّه الواحد القهار خير أن يدين العباد لربوبيته من أن يدينوا للأرباب المتفرقة الأهواء الجاهلة القاصرة العمياء عن رؤية ما وراء المنظور القريب - كالشأن في كل الأرباب إلا اللّه.

مرات القراءة: 113

مرات الطباعة: 2

* مرفقات الموضوع
 
تعليقات الموقع تعليقات الفيسبوك