SNW

Content on this page requires a newer version of Adobe Flash Player.

Get Adobe Flash player

  قبســـات

قال الإمام أحمد بن حنبل - رحمه الله -: وجملة التوكل؛ تفويض الأمر إلى الله جل ثناؤه، والثقة به.



1441533093_7507069134.jpg
مقالات وبحوث

ثلاث وقفات قبل رمضان (2من3)

بدر عبد الحميد هميسة

الوقفة الثانية: وقفة مع نفسك

رمضان فرصة عظيمة للوقوف مع النفس ومعاتبتها ومحاسبتها، فترك محاسبة النفس طريق إلى الغفلة وباب لتسلط الشيطان على الإنسان، فيصبح المرء بلا قلب ولا عقل، همه من الحياة الطعام والشراب والنوم، قال - تعالى -: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ) (12) سورة محمد.

قال - تعالى -: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ) (18-20) سورة الحشر.

يقولُ ابنُ كثيرٍ - رحمه الله -: "أي حاسبوا أنفسَكم قبل أن تحاسبوا وانظروا ماذا ادخرتُم لأنفسِـكم من الأعمالِ الصالحةِ ليومِ معادِكم وعرضِـكم على ربِكم، واعلموا أنه عالمٌ بجميعِ أعمالِكم وأحوالِكم، لا تخفى عليهِ منكم خافية" تفسير ابن كثير 8/ 77.

قال الشاعر:

استعدّي يا نفسُ للموت واسعَيْ *** لنجاةٍ فالحازمُ المستعدُّ

قد تبينتُ أنَّه ليس للحيِّ خل *** ودٌ ولا من الموت بدُّ

أيُّ ملكٍ في الأرض أوْ أيُّ حظٍّ *** لامرئ حظه من الأرض خُلْدُ

كيف يهوى امرء لذاذة أيّا *** مٍ عليه الأنفاسُ فيها تعدُّ

قال ابن القيم: "وتركُ المحاسبة والاسترسالُ وتسهيلُ الأمورِ وتمشيتُـها، فإنَّ هذا يقولُ بهِ إلى الهلاكِ، وهذه حالُ أهلِ الغرور، يُغْمضُ عينيهِ عن العواقبِ ويُمَشّي الحال، ويتكلُ على العفو، فيهملُ محاسبة نفسهِ والنظرُ في العاقبة، وإذا فعلَ ذلكَ سَهُلَ عليه مواقعةُ الذنوبِ وأنِسَ بها وعَسُرَ عليه فِطامُها ولو حَضَرَه رُشْدَه لعلِم أنّ الحميةَ أسهلُ من الفِطام وتركُ المألوف والمعتاد" إغاثة اللهفان، (82).

قال بعض السلف: كان أحدهم يحاسب نفسه أشد من محاسبة الشريك لشريكه، وقد قال بعض العلماء: من علامة المقت أن يكون العبد ذاكراً لعيوب غيره ناسياً لعيوب نفسه ماقتاً للناس على الظن محباً لنفسه على اليقين وترك محاسبة النفس ومراقبة الرقيب من طول الغفلة عن اللَّه - عز وجل - والغافلون في الدنيا هم الخاسرون في العقبى لأن العاقبة للمتقين.

قال الحسن البصري في تفسير قول الله - عز وجل -: (وَلاَ أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ) [القيامة: 2]، "لا يُلقى المؤمن إلا يعاتب نفسه: ماذا أردتُ بكلمتي؟ ماذا أردتُ بأكلتي؟ ماذا أردت بشربتي؟ والفاجر يمضي قُدُماً لا يعاتب نفسه". الزهد للإمام أحمد (396).

كان الأحنفُ بن قيسٍ يجيءُ إلى المصباحِ فيضعُ إصبَعهُ فيه ثم يقول: يا حُنيف، ما حمَلَكَ على ما صنعتَ يومَ كذا؟ ما حمَلَكَ على ما صنعتَ يومَ كذا؟.

قال الحسن البصري -رحمة الله-: إن العبـد لا يـزال بـخير مـا كـان لـه واعظ من نفسه، وكانت المحاسبة من همته.

كان توبة بن الصمة من المحاسبين لأنفسهم فحسب يوماً، فإذا هو ابن ستين سنة، فحسب أيامها، فإذا هي أحد وعشرون ألف يوم وخمسمائة يوم، فصرخ وقال: "يا ويلتي ألقى ربي بأحد وعشرين ألف ذنب؟ كيف وفي كل يوم آلاف من الذنوب؟ ثم خر مغشياً عليه، فإذا هو ميت، فسمعوا قائلاً يقول: يا لك ركضة إلى الفردوس الأعلى" إحياء علوم الدين 4/406.

إلى كم أقول ولا أفعلُ ‍*** وكم ذا أحوم ولا أنزِلُ

وأزجر عيني فلا ترعوي ‍*** وأنصح نـفسي فلا تـَقبلُ

وكم ذا تعلّل لي، ويحَها ‍*** بِعَلَّ وسوف وكم تمطل؟

وكم ذا أُؤمل طول البقا ‍*** وأغفل والموت لا يغفلُ؟

وفي كل يوم يُنادي بنا ‍*** منادي الرحيل: ألا فارحلوا

كأن بي وشيكاً إلى مصرعي *** يُساق بنعشي ولا أُمهـلُ

ولمحاسبة النفس فوائدٌ جمّةٌ، منها:

أولاً: الإطلاعُ على عيوبِ النفس، ومن لم يطلع على عيبِ نفسِه لم يمكنهُ معالجتُه وإزالته.

ثانيـاً: التوبةُ والندمُ وتدارك ما فات في زمنِ الإمكان.

ثالثـاً: معرفةُ حقُ اللهِ - تعالى -، فإن أصلَ محاسبةُ النفس هو محاسبتُـها على تفريطها في حقِ الله - تعالى -.

رابعـاً: انكسارُ العبد وتذلُلَه بين يدي ربه تبارك وتعالى.

خامساً: معرفةُ كرَمِ الله - سبحانه - ومدى عفوهِ ورحمتهِ بعبادهِ في أنه لم يعجل لهم عقوبتَهم معَ ما هم عليه من المعاصي والمخالفات.

سادساً: الزهد، ومقتُ النفس، والتخلصُ من التكبرِ والعُجْب.

سابعاً: تجد أنَّ من يحاسبُ نفسَهُ يجتهدُ في الطاعةِ ويترُكُ المعصية حتى تَسهُلَ عليهِ المحاسبةُ فيما بعد.

ثامناً: ردُ الحقوقِ إلى أهلِـها، ومحاولةُ تصحيحِ ما فات.

فما عليك أخي الحبيب إلا أن تسأل نفسك الآن وقبل رمضان: كم صلاةٍ ضيعتها؟ كم صدقةٍ بَخِلتَ بها؟ كم معروفٍ تكاسلتَ عنه؟ كم منكرٍ سكتَّ عليه؟ كم نظرةٍ محرمةٍ أصبتَها؟ كم كلمةٍ فاحشةٍ أطلقتها؟ كم من مصاب ومبتلي لم تمتد يدك لتخفف عنه.. كم وكم... وهل سيأتي علىّ رمضان هذا العام والمعاصي كما هي والتقصير لا يبرح مكانه.

إنا لنفـرحُ بالأيـامِ نقطعُـها *** وكـلَّ يومٍ يُدني من الأجـلِ

فاعمل لنفسِكَ قبلَ الموتِ مجتهداً *** فإنما الربحُ والخسرانُ في العملِ

ورمضان كذلك فرصة لمراجعة النفس وإصلاحها، عنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: (مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ، وَالْجَهْلَ، فَلَيْسَ للهِ حَاجَةٌ أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ) أخرجه أحمد 2/452(9838)، و"البُخاري" 1903.

مرات القراءة: 327

مرات الطباعة: 55

* مرفقات الموضوع
 
تعليقات الموقع تعليقات الفيسبوك