SNW

Content on this page requires a newer version of Adobe Flash Player.

Get Adobe Flash player

  قبســـات

قال الإمام أحمد بن حنبل - رحمه الله -: وجملة التوكل؛ تفويض الأمر إلى الله جل ثناؤه، والثقة به.



1441533093_7507069134.jpg
شبهات وردود

القرآن يسد الذرائع

التبرك المنحرف (بواعثه ومظاهره) (1/4)

الشيخ أكرم مبارك عصبان

إن من أهم بواعث الانحراف في كثير من المفاهيم يعود إلى وجود اللبس في المعنى، فيركب المبطلون عموم اللفظ ابتغاء تمرير معناه المنحرف، وتلبيسًا على الأمة التي تقبله بمعناه الصحيح، ويثمر هذا اللبس كتمان الحق، وقد حذر القرآن من هذا المسلك قال تعالى: {وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}[البقرة:٤٢]، وقال تعالى: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}[آل عمران:٧١].

فالتوسل والتبرك وزيارة القبور والزهد مثلًا يستغلها أهل الباطل ويلبسون شركهم في مضامينها، وقد احتوت على معنى شرعي وآخر بدعي وثالث شركي، فيطلقونها ويقصدون بها المعنى المنحرف، ويلبسون عليه ثوب الأدلة للمعنى الصحيح، فيقع الناس في أمر مريج، وهكذا دخل أهل الباطل على العامة، وساغت مفاهيمهم، إذ لو أظهروا قصدهم لنكرهم الناس، فإنه لا يرضى الوقوع في الشرك أحد إلا أن يشاء الله فيعمدون إلى هذا المكر.

ومن الخلط البين هنا مفهوم التبرك الذي نريد أن نرفع اللبس ونزيل الإشكال على الانحراف الذي دخل عليه، ونسد الذرائع المفضية إلى الشرك بالله عز وجل تحت هذا المسمى، وهو بريء من لوثته.

وقبل أن نفيض في الحديث عن المعنى المنحرف يجدر بنا أن نوضح معناه وقسمه الصحيح الذي تؤازره النصوص، حتى لا نضاهي سبيل الغالطين الذين إن رأوا الوجه القبيح من الشيء ردوه كله، فتصيبهم معرة بغير علم، ويطيب لأهل الباطل في نقدهم إذ أنهم حين ردوه برمته ردوا المعنى الصحيح الذي يحتويه، وهذا سبيل من يبادر في الإنكار ويفارق الإنصاف، كما هو الحال في الألفاظ المجملة

فالتبرك هو طلب البركة، وطلب البركة لا يخلو من أمرين: إما أن يكون التبرك بأمر شرعي معلوم دلت عليه النصوص، مثل القرآن، قال الله تعالى: {وَهَٰذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ}[الأنعام:٩٢]، وصور بركته كثيرة، وإما أن يكون التبرك بأمر غير مشروع، كالتبرك بالأشجار والأحجار والقبور والقباب والبقاع ونحو ذلك، مما نبين حقيقته، من خلال هذه المحاور، ولكن نذكر أولًا أهم البواعث للوقوع في التبرك المنحرف وهي:

-        اللبس المتعمد بينه وبين المشروع كما سبق.

-        تبني أهل الغلبة لترويجه، وهم الذين لا يلوون على النصوص، وإنما يفعلون ما أشربته قلوبهم من كل شبهة.

-        الجهل بدين الله، فلا يرى الجهلة بأسًا من مضاهاة المشركين.

-        الفتنة بما يحصل من صلاح أو خير للمتبرك به، فيرتكس من لا حظ له من الحق في عبادة غير الله باسم التبرك.

-        الشهوة الخفية من الجاه والمال الذي يتحصل به بعض من يحافظ على هذا التبرك المنحرف.

وبعد ذكر هذه الدواعي نأتي إلى وجودها في المظاهر عبر المعالم التالية:

أولًا: القرآن يسد الذرائع

من التبرك الممنوع ما رآه الغالبون على الأمر في شأن أصحاب الكهف حيث بنوا عليهم مسجدًا، قال تعالى: {قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَىٰ أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا}[الكهف:٢١]، وهذا فيه دلالة إلى الخطوات التي تقود إلى مثل هذا اللون من التبرك الممنوع، وهو كون أصحاب الكهف صالحين قد ظهرت لهم كرامة وآية ظاهرة جعلت فئة من الناس تبتدع هذه البدعة.

وفي تفسير ابن كثير عند قوله تعالى: {قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَىٰ أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا} قال: "حكى ابن جرير في القائلين ذلك قولين: أحدهما: إنهم المسلمون منهم، والثاني: أهل الشرك منهم، فالله أعلم، والظاهر أن الذين قالوا ذلك هم أصحاب الكلمة والنفوذ، ولكن هل هم محمودون أم لا؟ فيه نظر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد"[1] يحذر ما فعلوا، وقد روينا عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضى الله عنه، أنه لما وجد قبر دانيال في زمانه بالعراق، أمر أن يخفى عن الناس، وأن تدفن تلك الرقعة التي وجدوها عنده، فيها شيء من الملاحم وغيرها"[2].

وقال الحافظ ابن رجب في فتح الباري في شرح البخاري عند حديث "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا أنبيائهم مساجد": "وقد دل القرآن على مثل ما دل عليه هذا الحديث، وهو قول الله عز وجل في قصة أصحاب الكهف: {قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَىٰ أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا} فجعل اتخاذ القبور على المساجد من فعل أهل الغلبة على الأمور، وذلك يشعر بأن مستنده القهر والغلبة واتباع الهوى، وأنه ليس من فعل أهل العلم والفضل المنتصر لما أنزل الله على رسله من الهدى"[3].

فمن البواعث على رواج التبرك المنحرف قيام أهل الغلبة والملك على العناية به، وهكذا ترى أن الذي يتولى هذه المخالفات هم ممن لا حظ له من العلم والهدى، وإنما هو اتباع الهوى، لأن هذا البناء يفضي إلى تعظيم المقبورين، والافتتان بهم، وصرف العبادة إليهم، كل ذلك باسم التبرك بهم، وقد قال النووي في شرح مسلم: "قال العلماء: إنما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن اتخاذ قبره وقبر غيره مسجدًا خوفًا من المبالغة في تعظيمه، والافتتان به فربما أدى ذلك إلى الكفر كما جرى لكثير من الأمم الخالية"[4].

وصيانة لجناب التوحيد تأتي تعمية قبر دانيال التي أشار إليها ابن كثير آنفًا لئلا يفتتن به الناس بحجة التبرك بقبره، وقد وجدوه ميتًا كما قال أبو العالية: حفرنا بالنهار ثلاثة عشر قبرًا متفرقة، فلما كان بالليل دفناه وسوينا القبور كلها لنعميه على الناس لا ينبشونه[5].

والحق أبلج، ولكن أمرًا قد بدا للغالبين في إضلال العامة، فيحجبون نور الحق، ويردون أتباعهم في المهاوي فلا يسمعون لوعظ النصوص كما قال الأول:

كأنّي أُنادي صخرةً حين أعرضتْ         من الصُّمِّ لو تمشي بها العصمُ زلَّتِ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] متفق عليه، رواه البخاري، كتاب الجنائز، باب ما يكره من اتخاذ المساجد على القبور، (1265)، ومسلم، كتاب المساجد، باب النهي عن بناء المسجد على القبور واتخاذ الصور فيها، (1212).

[2] تفسير ابن كثير، (5/147).

[3] فتح الباري، ابن رجب، (6/280).

[4] شرح صحيح مسلم، النووي، (5/13).

[5] وقد ذكر هذه القصة ابن كثير في البداية والنهاية، (2/40)، وقال: إسناده صحيح إلى أبي العالية، وذكر لها أيضًا طرقًا أخرى تؤكد أن القصة واقعة وصحيحة.

مرات القراءة: 365

مرات الطباعة: 51

* مرفقات الموضوع
 
تعليقات الموقع تعليقات الفيسبوك