SNW

Content on this page requires a newer version of Adobe Flash Player.

Get Adobe Flash player

  قبســـات

قال الإمام أحمد بن حنبل - رحمه الله -: وجملة التوكل؛ تفويض الأمر إلى الله جل ثناؤه، والثقة به.



1441533093_7507069134.jpg
حوارات ومناظرات

مناظرة ابن عباس للخوارج (2من2 الفوائد)*

هذه المُناظَرة فيها فوائدُ كثيرةٌ جدًّا لِمَن يَتَدبَّرها، فوائد تَنفَع الدُّعاةَ والعاملين لدين الله - عزَّ وجلَّ - في واقِعنا المُعاصِر، لا سيَّما وأنَّ صاحبها حبر الأمَّة وعالمها عبدالله بن عباس - رضِي الله عنهما - الذي دعا له رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - بالفقه في الدين.

الفائدة الأولى: حرْص أهل الحقِّ على هداية مَن ضلَّ الطريق، كما حرَص ابن عباس على هداية الخوارج؛ بل وأرجع معه ألفين منهم إلى الحقِّ.

الفائدة الثانية: مُشاوَرة أهل الحقِّ من الحكَّام الشرعيين والعُلَماء الربَّانيين، كما فعل ابن عباس مع علي - رضي الله عنهم جميعًا - قبل أن يأتي الخوارج.

الفائدة الثالثة: جَواز مُناظَرة أهل الباطل، من المُبتَدِعة والكفَرَة؛ بل واستِحباب أو وجوب ذلك، إذا كان ثَمَّ مصلحة مُتَحقِّقة.

الفائدة الرابعة: نصحُ الدُّعَاة بعضهم بعضًا، وحرصُهم على إخوانهم، كما قال علي لابن عباس - رضِي الله عنهم -: إني أخافُهم عليك، وكان قد اشتَهَر عن الخوارج استِحلال دماء المسلمين، كما وصَفَهم رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - بقوله: ((يَقتُلون أهل الإسلام، ويَدَعون أهل الأوثان))؛ متفق عليه، وقد قتلوا عبدالله بن خباب وبقروا بطن أمِّ ولده.

الفائدة الخامسة: حسن توكُّل الداعِيَة إلى الله، واستِحضار مشيئة الله القاضية على كلِّ شيء، كما قال ابن عباس لعلي - رضِي الله عنهم - لما قال له علي: أخافُهم عليك، قال ابن عباس: كلاَّ إن شاء الله.

والداعية إلى الله لا يزال يتعرَّض في دعوته للمَخاطِر والمَتاعِب، فإن لم يُحسِن التوكُّل على الله وتَفوِيض الأمور له، ويحسن الظنَّ بخالقه، فربما عاقَتْه نفسه الأمَّارة بالسوء عن الخير.

 الفائدة السادسة: أهميَّة التخطيط والتنظيم والتفكير في الدعوة إلى الله، فابن عباس - رضِي الله عنهما - تعمَّد لبس أحسن الحُلَل وأجملها قبل أن يأتي الخوارج، لحكمة تصبُّ في مصلحة دعوته، كما سيأتي.

الفائدة السابعة: خلخلة موقف أهل الباطل وتشكيكهم في مُعتَقداتهم وتصوُّراتهم، حتى يَسهُل اقتيادهم للحقِّ، كما تعمَّد ابن عباس قبل مناظرة الخوارج لبس أحسن الحُلَل وهو يعلم أنهم سيَستَنكِرونه، فيبيِّن لهم أنَّ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - فعَلَه، وأنَّ القرآن أنكر على مَن حرَّمه، وبهذا تَضعُف ثقتهم بمَواقِفهم، والمرء قد تحرِّكه كثرةُ الصدمات من موقفه أحيانًا، ولهذا لبس ابن عباس الفَطِنُ أحسنَ الثياب وترجَّل.

الفائدة الثامنة: تَرسِيخ الداعِيَة أصول الحقِّ الذي يَحمِله لِمُخالِفه، كما قال ابن عباس للخوارج: أتيتكم من عند أصحاب النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - المهاجرين والأنصار، ومن عند ابن عمِّ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - وصهره، وعليهم نزَل القرآن، فهم أعلم بتأوِيله منكم، وليس فيكم منهم أحد.

فالذين صَحِبُوا النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - أَوْلَى بفَهْمِ الحقِّ ومعرفته من غيرهم، وهم الذين مدَحَهم الله في القرآن الذي تتلونه: ﴿ لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [الحشر: 8، 9].

فوصَف المهاجرين بالصدق، والأنصار بالفلاح، فأنَّى لكم كيف تُخالِفونهم؟ ثم مَن تُناصِبُونه العداء هو علي ابن عمِّ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - وزوج ابنته فاطمة التي هي بَضْعة منه! وهؤلاء جميعًا هم مَن نزل عليهم القرآن، فهم أَوْلَى منكم بمعرفة تفسيره وأحكامه، ولم ينحز واحدٌ منهم إليكم، ولا فهم الذي فهمتم من القرآن.

وبهذا يُرَسِّخ الداعية للحقِّ الذي يحمله مع مُخالِفه، فيجعله أكثر قابليَّة للحق.

الفائدة التاسعة: استِعمال عامَّة أهل البِدَع والضَّلال نصوص الوحيَيْن في غير موضعها، كما استدلَّت الخوارج على ترك السماع من ابن عباس لأنه قرشيٌّ؛ والله يقول عن قريش: ﴿ بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ ﴾ [الزخرف: 58]!

فالآية نزلت في مُشرِكي قريش الذين يُخاصِمون بالباطل، وابن عباس إنَّما جاءهم ليَرُدَّهم إلى الحقِّ، ويُكلِّمهم بكتاب الله وسُنَّة النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - فكيف يجعَلونه من أهل هذه الآية؟

وفي هذه المُناظَرة الكثير من جهل الخوارج بنصوص كتاب الله - تعالى - وتنزيلها غير موضعها، أو عدم فهمها ابتِداءً.

الفائدة العاشرة: عدم الاغتِرار بصَلاح الحال أو السَّمْت؛ لأنَّ الدين مَبناه على العلم والعمل جميعًا، لا العمل على جهل كحال الخوارج هنا، ولا العلم دون عمل كحال كثيرٍ من الناس، فابن عباس - رضِي الله عنه - يقول عن الخوارج: وما أتيتُ قومًا قطُّ أشدَّ اجتِهادًا منهم، مُسهِمة وجوههم من السهر! كأنَّ أيديهم ورُكَبهم تثنى عليهم، لكنَّهم مع ذلك ((يقرؤون القرآن لا يُجاوِز حَناجِرَهم))؛ كما قال النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - في الحديث المتَّفَق عليه، فكيف تُؤثِّر فيهم القراءة، وكيف يَفقَهُون ما يقرؤون؟!

وكثيرٌ من أهل الزيغ والضلال يَغتَرُّون بطاعتهم أو بأعمالهم ويغترُّ بهم الناس، ويُطاعُون بلا أهليَّة، فتقع الفِتَن والمِحَن.

 الفائدة الحادية عشرة: التِماس تَحَرِّي الخير في بعض المُخالِفين؛ كما وقع من بعض الخوارج هنا، إذ قالوا لبعضهم: لنُكَلِّمنَّه ولنَنظُرَنَّ ما يقول، وهذا منهم تحرٍّ للخير.

الفائدة الثانية عشرة: حُسْنُ سياسة الداعية للمُناقَشات والمُناظَرات، ويَظهَر هذا جليًّا من أسئلة ابن عباس - رضِي الله عنه - للخوارج، فهو يقول لهم أولاً: هاتوا ما نقمتم على أصحاب رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - وابن عمِّه؟

وهذا لكي يضبط ابن عباس الحوار معهم فلا يَتَشعَّب، وقال لهم: هل عندكم شيء غير هذا؟

 ثم قال لهم ابن عباس كذلك مُشتَرِطًا: أرأيتُكم إن قرأت عليكم من كتاب الله - جلَّ ثناؤه - وسنَّة نبيِّه - صلَّى الله عليه وسلَّم - ما يردُّ قولكم، أترجعون؟ وهذا أيضًا من حُسْنِ سياسة ابن عباس في حوارِه، فهو سأَلَهم بدايةً ما يُنكِرونه على أصحاب النبي، ثم اشتَرَط عليهم الرُّجوع إلى الجماعة إذا ما ردَّ عليهم قولهم من كتاب الله وسنَّة نبيِّه - صلَّى الله عليه وسلَّم.

وبعد كلِّ تفنيد شبهة يسألهم: أخرجت من هذه؟

الفائدة الثالثة عشرة: إيضاح ومناقشة الداعية لشُبَه المُخالِفين، مهما رآها ضعيفة، وإن كانوا من أهل البِدَع أو الكفر، وعدم الاكتِفاء بالاستِخفاف بها وازدِراء أصحابها؛ بل الواجب مُناقَشة كلِّ مَن ضلَّ عن الحقِّ وإن تهافَتَتْ شُبهاته؛ لأن تَوضِيحها بالحكمة واللين مَظِنَّة رُجُوع أصحابها عنها، وترْك ذلك مَظِنَّة تَمَسُّك أصحابها بها.

وابن عباس لم يَتعالَ عن مُناقَشة عقولٍ بهذه البَلادَة، وشبهات بهذه السَّذاجَة، وهذا هو واجب الدُّعاة إلى الله في كلِّ زمان.

 الفائدة الرابعة عشرة: تنوُّع أحوال أهل البِدَع، فمنهم مَن هو صادِق في مَوقِفه وإن أخطَأَه، ومنهم مَن هو مُتَّبِع لهواه، كما انقَسَم الخوارج هنا فريقَيْن؛ أحدهما رجع إلى الحقِّ والجماعة، والآخَر أبى إلا القتلَ على البدعة.

الفائدة الخامسة عشرة: تذكير الداعِيَة لِمُخالِفِيه بالله، حتى يَلِين قلبُهم للحقِّ ولا يُكابِرون، كما كان يقول ابن عباس للخوارج: أنشدكم بالله، أحكم الرجال في صَلاحِ ذات البَيْنِ وحَقْنِ دمائهم أفضل، أو في أرنب؟ قالوا: بلى، بل هذا أفضل.

فالعبد يحتاج للتذكير بالله في خصوماته دومًا، ليُصَحِّح نيَّته، ويرضى بالحقِّ ويقبله.

الفائدة السادسة عشرة: الحاجة إلى العُلَماء الربانيِّين وطلاب العلم النابِغين، الذين يَرُدُّون الناس إلى الحقِّ، ويَأخُذون بأيديهم إلى السنَّة، فابن عباس جعَلَه الله سببًا في هِدايَة ألفَيْن من رجال الخوارج، الله أعلم بمصيرهم إذا لم يرجعوا معه.

هذا ما يسَّر الله - تعالى - جمعه من فوائد هذا الأثر، والحمد لله ربِّ العالمين، وصلِّ اللهم وسلِّم على نبيِّنا محمد، وعلى آله وصحبه ومَن تَبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

_______

(*) شبكة الألوكة.

 

مرات القراءة: 1009

مرات الطباعة: 7

* مرفقات الموضوع
 
تعليقات الموقع تعليقات الفيسبوك