SNW

Content on this page requires a newer version of Adobe Flash Player.

Get Adobe Flash player

  قبســـات

قال الإمام أحمد بن حنبل - رحمه الله -: وجملة التوكل؛ تفويض الأمر إلى الله جل ثناؤه، والثقة به.



1441533093_7507069134.jpg
حوارات ومناظرات

اعترافات.. "كنت قبوريًّا"..! (2 من 2)

يرويها بنفسه: الكاتب الصحفي "عبد المنعم الجدّاوي"

سقطت قلعة من قلا ع الجاهلية .. لكن لماذا؟ وكيف كان السقوط؟

جاء صاحـبي إبراهيم يسعى بقدميه .. يطلب ويلحّ في أن يبدأ مسيرة التوحيد .. لا بد أن وراء عودته أمـراً, ليس من المعقـول أن يحدث ذلك بلا أسباب قوية جعلت أعماقه تتفتح, وتفيق .. على حقائق غفل عنها طويلاً .. !

ورحمة بي من الذُّهول, والإغماء الذي أوشك أن يصيبني .. بدأ يتكلم, وكانت الجملة التي سقطت من فمه ثقيلة كالحجر الذي يهبط من قمة جبل .. صكت سمعي .. ثم ألقت بنفسها تتفجر على الأرض .. تصيب وتدمي شظاياها, وقال:

- لقد مات ابني عقب عودتنا ... ! إنا لله وإنا إليه راجعـون .. هذا هـو الولد الرابع الذي يموت لإبراهيم تباعاً, وكلما بلغ الطفل العام الثالث .. لحق بسابقه .. وبدلاً من أن يذهب إلى الأطباء ليعـالج مع زوجته, بعد التحليلات اللازمة .. فقد يكون مبعث ذلك مرض في دم الأب أو الأم .. اقتنع, وقنع بأن ينذر مع زوجته مرة للشيخ هذا, ومرة للضريح ذاك, وأخرى لمغارة في جبل بني سويف .. إذا عاش طفله, ولكن ذلك كله لم ينفعه .. ورغم الجهل والظلم الذي يظلمه لنفسه .. إلا أنني حزنت من أجله .. تألمت حقيقة .. أخذته من يده .. أدخلته .. جلست أستمع إلى التفاصيل ..!

لقد عاد من طنطا مع زوجته إلى بلدهما, وحملا معهما بعض أجزاء من (الخروف) الذي كان قد ذبح على أعتاب ضريح (السيد البدوي) .. فقد كانت تعاليم الجهالة تقضي بأن يعودا ببعضه .. التماساً لتوزيع البركة على بقية المحبين - وأيضاً - لكي يأكلوا من هذه الأجزاء .. التي لم تتوافر لهـا إجـراءات الحفظ الصالحة ففسدت .. وأصابت كل من أكل منها بنـزلة معوية .. وقد تصدَّى لهـا الكبار وصمدوا .. أما الطفل .. فمرض, وانتظرت الأم - بجهلها - أن يتدخل (السيد البدوي) .. لكن حالة الطفل ساءت .. وفي آخر الأمر .. ذهبت به للطبيـب الذي أذهله أن تترك الأم ابنهـا يتعذب طوال هذه الأيام ... فقد استغرق مرضه أربعة أيام ... وهزَّ الطبيب رأسه, ولكنه لم ييأس .. وكتب العلاج .. (أدوية) وحقـن, ولكن الطفل .. اشتد عليه المرض, ولم يقو جسمه على المقاومة .. فمات !

من موت الطفل بدأت المشـاكل .. كانت الصدمة على الأم.. أكبر من أن تتحملها .. ففقدت وعيها .. أصابتها لوثة .. جعلتها تمسك بأي شيء تلقـاه, وتحمله على كتفها وتهدهده وتداعبه على أنه ابنها .. أما الأب فقد انطوى يفكر في جدية, بعد أن جعلته الصدمة يبصر أن الأمر كله لله .. لا شـريك له .. وأن ذهابه عاماً بعد عام .. إلى الأضرحة والقبور .. لم يزده إلا خسـارة .. واعترف لي: بأن الحوار الذي دار بيني وبينه .. كان يطنّ في أذنيه .. عقب الكارثة, ثم صمت .. ! فقلت له: بعض الكلام الذي يُخفّف عنه, والذي يجب أن يُقال في مثل هذه المناسبات .. ولكن بقي في نفسه شيء من حديثه . فهو لم يكمل .. ماذا حدث للسيدة المنكوبة, وهل شفيت من لوثتها أم لا ؟

فقلت له: لعل الله قد شفي الأم من لوثتها .؟ !

فأجاب - وهو مطأطئ الرأس -: إن أهلها يصرون على الطواف بها على بعض الأضرحة والكنائس - أيضاً - ويرفضون عرضها على أي طبيب من أطباء الأمراض النفسية والعصبية .. ليس ذلك فحسب .. بل ذهبوا بها إلى (سيدة) لها صحبة مع الجن فكتبت لها على طبق أبيض .. وهكذا تزداد العلة عليها في كل يوم وتتفاقم .. وكل ما يفعله الدجالون يذهب مع النقود المدفوعة إلى الفناء..!

وحينما أراد أن يحسم الأمر .. وأصرّ على أن تُعْـرض على طبيب .. أو يطلقهـا لهم؛ لأنهم سبب إفسادها .. برزت أمها تتحداه, وركبت رأسها فاضطر إلى طلاقها وهو كاره ...!

* * * * *

* أثارتني قصته, رغم حرصي على النسخة التي حصلت عليها من(الدكتور جميل) إلا أنني أتيته بها وناولتها له .. فأمسك بها وقلبها بين يديه .. وعلى غلافهـا الأخير كان مكتوباً كلام راح يقرؤه بصوت عال .. كأنه يسمع نفسه قبل أن يسمعني (نواقض الإسلام) من كلمات شيخ الإسلام (محمد بن عبد الوهاب): {من يُشْرك بالله فقد حرَّم اللهُ عليه الجنّة ومأْواهُ النَّارُ وَما للظَّالمين مِنْ أنصار} [المائدة:72], ومنه الذبح لغير الله كمن يذبح للجن أو للقبر.

ورفع رأسه فحملق في وجهي .. ثم أخذ الكتاب, وانصرف واشترط أن يعيـده لي بعـد أيام, وأن أحضر له من الكتب ما يعينه على المضي في طريق (التوحيد)

انصرف إبراهيم, والمأساة التي وقعت له تتسرب إلى كياني قطرة بعد قطرة .. فهي ليست مأساة فرد, ولا جمـاعة, وإنما هي مأساة بعض المسلمين في كثير من الأمصـار .. الخـرافة أحب إليهم من الحقيقة, والضلالة أقرب إلى أفئدتهم من الهداية, والابتداع يجتذبهم بعيداً عن السنة ..!

حاولت الاتصـال تليفونياً (الدكتور جميل) .. فقد كنت أريد أن أنهـي إليه أخبار (إبراهيم) ولكني لم أجده فبدأت العمل في كتابات لمجلة شهرية تصدر في قطر .. اعتادت أن تنشر لي أبحاثاً عن الجريمة في الأدب العربي, وصففت أمامي المراجع, وبدأت مستعيناً بالله على الكتابة, وإذا بالتليفـون يدق .. كان المتكلم مصدراً رسمياً في وزارة الداخلية ـ يدعوني بحكم مهنتي كصحفي متخصص في الجريمة ـ لحضـور تحقيق في قضية مصرع أحد عمال البلاط, وكان قد عثر على جثته في جُوال منذ يومين ..!!

تركت كل ما كان يشغلني إلى مكان التحقيق .. والغريب في الأمر .. أن يكون الأساس الذي قامت عليه هذه الجريمة هو السقوط أيضاً .. في هاوية الشرك والدّجل والشعوذة .. بشكل يدعو إلى الإشفاق .. فالقتيل كان يدّعي صحبة الجن, والقدرة على التوفيق بين الزوجين المتـنافرين, وشفاء بعض الأمراض وقضاء الحاجات المستعصية ... إلى جانب عمله في مهنة البلاط..!

أمّا المتهم القاتل .. فكان من أبناء الصعيد .. تجـاوز الخمسين من عمـره, وكان متزوجاً من امرأة لم تنجب .. فطلقها وتزوج بأخرى في السابعة عشرة من عمرها لكنها هي الأخرى لم تنجب ... وبلغه من تحرياته أن مطلقته قامت بعمل سحر له - نكاية فيه - يمنعه من الإنجاب مع زوجته الجديدة . فاتصل بذلك الرجل الذي كان شاباً لم يتجاوز الأربعين .. واتفق معه على أن يقوم له بعمل مضاد .. وتلقف الدجـّال فرصة مواتية ... وذهـب معه إلى البيت .. وكتب له الدجال بعد أن تناول العشاء الدّسم .. بعض مستلزمات حضـور الجن من بخور وشموع وعطور, وذهب الرجل ليشتريها .. وترك (الدجّال) وزوجته الحسناء في البيت ..!

خرج الرجل مسرعاً يشتري البخور الذي سيحرق تمهيدًا لاستحضار الجـن .. وترك الدجـّال الشاب مع الزوجة الحسناء ..وكان لا بد أن يحدث ما يقع في مثل هذه المواقف .. فقد حاول المشعوذ أن يعتدي على الزوجة . إذ راودها في عنف ليفتك بشرفها, وهي العفيفة الشريفة .. فقامت لتغـادر البيت إلى جارة لها .. حتى يصل زوجها .. وإذا بهـا تجد زوجها على الباب .. فقد نسى أن يأخذ حافظة نقوده وروت له في غضب ما وقع من الدجّال, وانفعل الزوج الصعيدي, وحمل عصـاة غليظة ودخل على الدجال في الغرفة, وانهال عليه بالعصا .. حتى حطم رأسه .. بعدها وجد نفسه أمام جثة لا بد أن يتخلص منها .. فجلس يفكر !

خرج ليلاً فاشترى جُوالاً, وعـاد فوضع الجثَّة فيه, وانتظر حتى انتصف الليل .. ثم حمل الجثة على كتفه, وألقى بها في خلاء على مقربة من الحي الذي يسكنون فيه .. وعاد إلى غرفته يحاول طمس الآثار ومحوها .. وظن أنه تخلص من الدجال الشاب إلى الأبد !

ولكن رجال الشرطة .. بعد عثورهم على الجثة .. بدأوا أبحاثهم عن الجُوال الذي يحتوي على الجثـة .. وما كادوا يعرضونه على البقالين في المنطقة, حتى قال لهم أحدهم: إن الذي اشتراه منه هو فلان, وكان ذلك بالأمس فقط, وألقت الشرطة القبض على الرجل, وفتشت غرفتـه فوجـدت الآثار الدالة على ارتكاب الجريمة .. وضُيِّقَ عليه الخناق فاعترف بتفاصيل الجريمة!

**********

* لم يكن حضوري هذا التحقيق صدفة، فكل شيء يجري في ملكوت الله بقـدر ..إذ يسـوق لي هذه الجريمة المتعلقة - أيضاً - بفساد العقيدة .. لتجعلني أناقش مع الآخرين.. قضية العقيدة والخرافة من بذورها الأولى .. ولماذا تروج الخرافة, وتتغلغل في كيانات البشر دون وازع ؟ هل لأن الذين يتاجرون بها أوسع ذكاء من الضحايا ؟

وماذا يجعل الضحايا ـ وهم ملايين ـ يندفعون إلى ممارستها, والإيمان بها، والتعصب لها... ؟ أم أن (الوثنية) التي هي الإيمان بالمحسوس والملموس .. التي ترسبت في أذهان العالمين سنـين طويلة تفرض نفسهـا على الناس من جديد . تساندها الظروف النفسية لبعض البشر . الذين يعجزون عن الوصول إلى تفسير لها!!؟

* فالقاتل والقتيل في هذه الجريمة... كلاهما فاسد العقيدة .. لا يعرفان من الإسلام سـوى اسمه .. فالقتيل مشعوذ يمشي بين عباد الله بالسـوء, ويكذب عليهم, ويدّعي أنه على صلة بالجن, وأنه يُشْفي ويُسْعد, ويشفي ويمرض بمعـاونة الجن, وفي ذلك شرك مضـاعف مع الإضرار بالناس .. أما القاتل فهو من فرط جهالته يعتقد أن إنساناً مثله في وسعه أن يجعله ينجب ولدًا أو بنـتاً ! وقد يكون عـذره أنه في لهفته على الإنجاب ألغى عقله ... غير أنه لو أن له عقيدة سليمة .. تُرسِّـخُ في ذهنه أنَّ الله بلا شركاء, وأن النفع والضر بيد الله فقط, وتُؤصِّل هذه المفاهيم في أعماقه .. ما كان يمكنه أن يستسلم لدجال .. ولا استطاعت عقيدته أن تحميه من السقوط في أيدي مثل هذا المشعوذ!!

* وفي كثير من الأحيان يصل الأمر... ببعض المتعصبين إلى أن يجعل من نفسه داعية للخرافة .. يروج لها, ويدافع عنها, وعلى استعداد للقتال في سبيلها .. فقد نجد من ينبري في المجالس .. فيروي كيف أن الشيخ الفـلاني أنقذه هذه الأيام من ورطة كانت تحيـق به, وأنه كان لن يحصل على الترقية هذا العام لولا أن الشيخ الفلاني صنع له تحويطة, وأنه كان على خلاف مع زوجته وضَعَهُما على حافة الطلاق لولا أن الشيخ الفلاني كتب له ورقة وضعها تحت إبطه .. إلخ .. وتحضرني في هذا المجال قصـة سيدة تخرجت من جامعة القاهرة, ودرست حتى حصلت على الدكتوراه في علوم الزراعة, وتشغل الآن وظيفة مديرة مكتب وزير زراعة إحدى الدول العربية, هذه السيدة حاملة الدكتوراه ... عثر زوجها ذات يوم على حجـاب تحت وسادته, فسأل زوجته .. فقالت: إنها دفعت فيه ما لا يقل عن خمسين جنيهاً؛ لكي تستميل قلبه؛ لأنهـا تشعر بجفوته في الأيام الأخيرة .. وكانت النتيجة أن زوجها طلقها طبعاً .. وراوي قصتها هو محاميها نفسه الذي تولى دعواها التي أقامتها ضد زوجها ...!

* وترتفع الخرافة إلى الذروة ... حينما يعمد المتخصصون فيها إلى تقسيم تخصصات المشايخ والأضرحة... فضريح السيدة فلانة يزار لزواج العوانس, والشيخ فلان يـزار ضريحه في مسائل الـرزق, والقـادرة الشاطرة صاحبة الضريح الفلاني يحج إليها في مشـاكل الحب, والهجر, والفراق, والطلاق, وأخرى في أمراض الأطفال, والعيون, وعسر الهضم .. وهكذا... مؤامرة محكمة الحلقات .. تلف خيوطها حول السذَّج والمساكين, وكأنهم لم يقرأوا في القرآن: {وإن يَمْسسك اللهُ بِضُرٍ فلا كاشف له إلاّ هُو وإن يمسسك بخيرٍ فهُو على كُلِ شيءٍ قدير} [الأنعام: 17]، وكأنهم لم يسمعوا بالحديث الشريف: "من تَعَلَّق تميمةً فقد أشرك" .

إن الانصياع إلى الخرافات ليس وقفاً على عامة الناس أو جهلتهم, بل من المؤسف أنها تتمتع بسلطان كبير بين المتعلمين, والذين درسوا في أرقى الجامعات . وإذاً فالأصل فيها هو أنها تتسلل إلى ضمائر الناس، الذين لا يحميهم عقيدة سليمة .. تصد عنهم هذه (الشركيات) الشرسة الضارية .. فالذي لا شك فيه, هو أن الرجل الذي وثّق إيمـانه بالله واقتـنع بأن الله هو مالك كل شيء, ورب كل شيء لا شريك ولا وسيط له .. هذا الرجل سوف يعيش في مناعة إيمانه .. متحصناً بعقيـدته .. لا تصـل إليه المفاسد, بل وتنكسر على صخرة إيمانه كل هذه الخزعبلات .. لماذا ؟ لأنه أنهى أمره إلى الله, ولم تعد المسألة في حسابه قابلة للمناقشة !

فالإيمان بالله, واعتناق العقيدة السليمة شيء ليس بالضرورة في الكتب أو في الجامعات .. إنه أبسط من ذلك .. فالله سبحانه وتعالى جعله في متناول الجميع حتى لا يحرم منه فقير لفقره ... أو يستأثر به غني لغناه..!

وبينما أنا منهمك أكتب هذه الحلقة إذ بضجيـج تصحبه دقات عنيفة لطبل يمزق سكون الليل ويبدده . وراح هذا الضجيج يعلو, ويعربد في ليل الحي .. دون أن يتوقف إلا لحظات .. يتغير فيها الإيقاع ثم يعود ضاربًا .. متوحشاً .. يهز الجدران .. وعرفت بخبرتي من الألحان, والأصوات المنفردة التي تصاحبها أن إحدى المترفات من الجيران تقيم حفلة (زار) .. وأنها لا بد أن تكون قد دعت كل صديقاتها المصابات مثلها بمس من الجنّ ... لكي يشهدن حفلها؛ إذ لم تكن هذه هي المرة الأولى التي تقيم فيها مثل هذه الحفـلة, فهي تقوم بعملها هذا مرة كل ستة شهور .. حرصاً على إرضاء الجن الذي يسكن جسدها...!

وعبثاً حاولت الوصول إلى وسيلة للهرب من تلك الكارثة التي تقتحم علي أذني .. فتركت الكتابة, وحاولت أن أقرأ .. وفي خضم المعاناة .. جاء لي صديق لي من كبار علماء الأزهر, ومن الذين يعملون في وزارة الأوقاف وشئون الأزهر, ليزورني واستقبلته فرحاً؛ لأنني أحب النِّقاش معه, ولأنه سوف يخلصني من عذاب الاستماع إلى الدقات الهمجية.

وشكوت إليه جارتي, ودخلنا في المناقشة عن(الجـن) وشكوى الناس منه, وادّعاء السيدات أنه يركبهن, والجيش الجرار من النساء, والرجال الذين يحترفون عمل حفلات (الزار). وإذا بالرجل الذي يحمل شهادة أزهرية عليا .. يؤكد لي أنه كانت له شقيقة مسَّها الجن عقب معركة نشبت بينها وبين زوجها فعطّل (الجن) ذراعها الأيمن عن العمل بضعة أيام .. ولم يتركها الجن إلا بعد أن أقاموا لها حفـلة (الزار), عقدت الشيخة بينها وبين (الجن) معاهدة تعايش سلمي .. وترك ذراعها على أن تقيم هذا الحفل مرة كل عام.

* كان هذا كلام الرجل العالم ... طال صمتي .. فقط كنت أفكر في المسكين إبراهيم الحران, وزوجته الأمية ... فلا عتاب عليهما ولا لوم .. ما دام هذا هو رأي مثل هذا الرجل في (الزار) .. وكانت الدقات العنيفة لا تزال تصل إلى آذاننا, والصمت المسكين يتلاشى أمام الأصوات المسعورة التي تصرخ في جنون تستجدي رضا الجن, وتستعطف قلوب العفاريت.. !

انتهت سهرتي مع صديقي العالم الأزهري الخالص .. الذي فجعني فيه إخلاصي فيه .. إذ وجدته من المؤمنين بالخـرافة, المؤيدين لحكـايات الجن. .. وأحسست بأن وقتي ضاع بين هذا المغلوط العقيدة, ودقات (الزار) التي كانت تقتحم عليَّ نوافذ مكتبي .. دون مجير شهم ينقذني من الاثنين..!

* وفي الصباح استيقظت على جرس التليفون .. يصيح صيحات طويلة ومعناها أنّ مكالمة قادمة من خارج القاهرة ... ورفعت السماعة .. لأجد أن المكالمة من الصعيد, والمتكلم هو زوج خـالتي, ووالد زوجة (إبراهيم الحران) ..يعلنني أنهم سوف يصلون غداً. وقد اتصل ليتأكد أنني في القاهرة .. خوفاً من أن أكون على سفر .. فهو يريدني لأمر هام .. ورحبت به, وقلت: إنني في انتظارهم .. ولم يكـن أمامي سوى أن أفعل هذا لألف سبب وسبب !

أولها: أن الرجل الذي اتصل بي أكنّ له كل الاحترام والحب, وأنني لمست في صوته رقة الرجـاء, وأنا ضعيف أمام اليائس الذي يلجأ إليَّ في حاجة وفي وسعي أن أقضيهـا له .. أخشى أن أرده - ولـو بالحسنى - وأحاول جاهداً أن أكون من الذين يجري الله الخير على أيديهم للناس .. رغم أن هـذا يسبب لي الكثير من المتاعب, وضياع الوقت إلا أنني أحتسب كل ذلك عند الله ..!

وفي الغد ومع الركب الحزين, وكان مؤلفاً من زوج خالتي, وخالتي أم زوجة (إبراهيم الحران) وابنتها التي أصابتها اللوثة بعد وفاة طفلها .. وكانت في حالة يرثى لها. تفاقمت الحالة العقلية عندها, ودخلت في مرحلة الكآبة العميقة .. رفضت معها الكلام, وفقدت فيها الشعور بما يدور حولها .. لا تستطيع أن تفرق بين النوم واليقظة, ولا تجيب عمَّن يحدثها ... انتقلت من دنيا الناس .. إلى دنيا الوهم والكآبة .. حتى زوت, وصارت هيكلاً عظمياً ليس فيها من علامات الحياة سوى عينين كآلة زجاج يرسلان نظرات بلا معنى .. وقال لي الأب وهو حزين: إنه يريد مني أن أتصل بابني وهو طبيب أمراض عصبية, ونفسية, ويعمل في (دار الاستشفاء للأمراض النفسية والعصبية بالعباسية) لكي يجد لها مكاناً في الدرجة الأولى ..!

كانت الأم تبكي وهي نادمة تعترف بآثامها .. وكيف أنها بإصرارها على علاج ابنتها عند المشايخ, وبالجري والطواف حول الأضرحة, وضياع الوقت - جعلت المرض يستفحل, ويهدم كل قدرة لابنتها على مقاومته ..واعترفت بأنها أخطأت في حق زوج ابنتها (إبراهيم الحران) واستفزته بإصرارها على الخطأ, ولكن عذرها أنها كانت ضحيةً لجهلها, ولعشرات السيدات اللاتي كنَّ يؤكدن لها: أن تجاربهن مع المشـايخ, والأضرحة والدجالين .. تجارب ناجحة, والمثل يقول: (اسأل مجرباً ولا تسأل طبيباً)..!

واستطعنا بفضل الله أن نجد لها مكاناً, وأن نلحقها في نفس اليوم بالدرجة الأولى, وقال لي ابني: إنها حالة مطمئنة ولا تدعو إلى اليأس .. كل ما في الأمر أن الإهمال جعلها تتفاقم .. وبعد مضي أسبوع واحد من العلاج تحسنت السيدة, وقد عُولجت بالصدمات الكهربائية .. إلى جانب وسائل علاجيـة أخـرى يعرفها المتخصصون, وخلال ذلك اتصل بي (إبراهيم الحران) فقلت له: إنني أريده في أمر هام, ولابد أنه يزورني في البيت ... وحينما جاء شرحت له الأمر, وقلت له: إن الأطباء يرون في استرداده لزوجته جزءاً من العلاج - أيضاً - .. ولكن لفت نظري فيه .. أنه بعد قـراءته للكتب التي حصـلت له عليهـا من (الدكتور جميل غازي) في التوحيد أن أصبح إنساناً جديداً ... فالعبارات التي كانت تجري على لسانه .. من الإقسام تارة بالمصحف, وتارة بالأنبياء, وتارة ببعض المشايخ قد اختفت نهائياً .. وعاد يمارس حياته بأسلوبه الرجل الذي لا يعبد غير الله, ولا يخشى إلا الله, ولا يرجو سوى الله .. وحتى بعد أن حدثته في أن يعيد زوجته .. أصر على أن يجعل هذه العودة مشروطة بأن تقلع أم زوجتـه عن معتقـداتها القديمة, وكذلك والد زوجته .. أما زوجته .. فقال: إنه كفيل بها, وعقدت بينهم جميعـاً مجلساً لم ينقصـه إلا الزوجة؛ لأنها كانت في المستشفى, وقبلوا شروطه بعد هذا الدرس القاسي!!

كان لزيارته لزوجته في المستشفى... أكبر الأثر في شفائها, وزادت بهجتها حينما عرفت أنه أعادها إلى عصمته. قال لي ابني الذي كان يشرف على علاجها: إن عودتها إلى زوجها, وزيارته لها كانت العلاج الحقيقي الذي عجَّل بشفائها, لأنها وهي وحيدة أبويها .. حطمتها صدمة وفاة ابنها .. ثم قضـت على البقية الباقية من عقلها صدمة طلاقها .. بعد شهر وعشرة أيام تقريباً تقرر خروجها, وكان يتنظرها زوجها ووالدها ووالدتها في سيارة على الباب رحلت بهم إلى الصعيد فوراً!

* لم أستطع أن أنزع من نفسي بقايا هذه المأساة, ولم يكن من السهل أن أتغافل عن الخرافة التي تخرب أو تهدم كل يوم بل وكل لحظة عشرات النفوس والبيوت في عشيرتي, و أبناء ديني .. وعلى امتداد الوطن الإسلامي كله .. ووجدتني أسأل نفسي لما ذا نحن الذين نعيش في الشرق الأوسط .. تمزقنا الخرافة وتجثم على صدر مجتمعنا الخزعبلات، فتمسك بنا وتوقفنا عن ممارسة الحضارة.. ؟

* ومع أن الغرب, والمجتمع الأوروبي ليس خاليـاً من الخرافات, وليس خالياً من الخزعبلات, ومع ذلك فهم يعيشون في حضارة ويمارسونها. تدفع بهم ويدفعون بها دائماً إلى الأمام!

الواقع أن خزعبلاتهم وخرافاتهم في مجموعها معادية للروح ..تدفع بهم إلى الانزلاق أكـثر من الماديات, وهذا هو ما يتفق وحضارتهم !!

أما هنا في الشرق .. فإن خرافاتنا معادية للعقل, وللمادة معاً .. ! ولهذا كانت خرافاتنا هي المسئولة عن تدمير حياتنا في الحاضر والمستقبل.

وليس هناك من سبيل لخروجنا من هذا المأزق الاجتماعي, والحضاري سوى تنقية العقيدة مما ألصق بها وعلق بها من الشوائب التي ليست من الدين في شيء ..!

فحينما يصبح (التوحيد) أسلوب حياة, وثقافة, وعقيدة ... سوف تختفي من أفقنا وإلى الأبد .. هذه الغيوم .. غيوم الخرافات, والدجل, والشعوذة, والكهانة التي لا تقوى.

* وتلك مسئولية ينبغي أن تقوم بها أجهزة التربية المباشرة, وغير المباشرة فإن ما نعيشه الآن هو صورة أسوأ مما قرأت في هذه الاعترافات, ولو أنك اخترت مائة أسرة كعينة عشوائية وبحثت فيها لوجدت أن كل ما رويته لك في هذه الاعترافات لا يمثل إلا أقل القليل .!

{ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين} .

______

طالع أيضاً:

مشاهد حية: عاشق الصوفية..عبد المنعم الجداوي

مرات القراءة: 426

مرات الطباعة: 48

* مرفقات الموضوع
 
تعليقات الموقع تعليقات الفيسبوك