SNW

Content on this page requires a newer version of Adobe Flash Player.

Get Adobe Flash player

  قبســـات

قال الإمام أحمد بن حنبل - رحمه الله -: وجملة التوكل؛ تفويض الأمر إلى الله جل ثناؤه، والثقة به.



1441533093_7507069134.jpg
الرئيسية

رمضان.. شهر من الجهاد الأكبر

جاءت شرائع الإسلام لتربي الناس على القوة والجد والعزيمة، جاءت لتمكن المسلم من كبت رغباته ونزواته التي لا تنفك تنحدر به وتجاذبه إلى منخفضات الشهوات.

تأملوا الحكمة من فرض صوم رمضان، فليس لله حاجة في إمساكنا عن الطعام والشراب،  ولم يفرض ربنا علينا الصوم لتعذيب الأجساد وإعنات النفوس، بل ثمة غايات عظيمة، أجملها الله عز وجل في كلمة التقوى، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}[البقرة: 183]، أي إنما كُتب عليكم لتحصل لكم التقوى، ولتفوزوا بثمارها العظيمة، وآثارها الكريمة.

إنه تربية قلبية وسلوكية، تبدأ من الدواخل، ثم تتغلغل إلى أعماق النفوس والأرواح، تزكيها وتطهرها من عوالق الشهوات، وجموح الرغبات، والاستسلام لها طوال العام. وأول مدارج الدنو من الله عز وجل هو إخلاص القصد، وكمال الاحتساب، "من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه"(متفق عليه)

فالمؤمن يدلف إلى هذا الشهر العظيم، وقبل كل طلوع فجر، بقلب خاشع لله، ووجه مُسلَم له عز وجل.. يدخل إلى هذه العبادة الخفية، التي لا يدري حقيقتها غير هذا المؤمن وربه عز وجل، لا يدفعه إلى ذلك رقيب ولا حسيب، ولا يغريه شيء، غير الدنو من ربه، والفوز برضوانه وجنته، فيظل النهار موصول القلب بمولاه، يتطلع إلى قبوله ورضاه، يظل خاشعا مخبتا، يأمل في موعود الله "كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به"(متفق عليه).

اشرأبَّ قلبه إلى تلك الخبيئة العظيمة، التي خبأها الله للصائمين المحتسبين، فهو مشغول بتحصيلها، مشفق من فواتها، يجعل من صيامه أمانة لديه، فهو يحوطه من أن يخدشه لفظ رديء، أو نظرة آثمة، أو سباب مكروه محرم، يكمل صومه وهو يتصوَّن في ليله ونهاره عن أية لفظة أو لحظة تفقده ثواب الصوم، أو تقطعه عن ربه.

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه"(صحيح البخاري 1903) وعنه أيضا رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الصيام جنة، فإذا جاء يوم صوم أحدكم فلا يرفث، ولا يصخب، فإن شاتمه أحد أو قاتله فليقل إني امرؤ صائم"(صحيح النسائي 2216)

إنه الصوم الذي يثمر التقوى، كما قال الغزالي - رحمه الله - في الإحياء: "إنه كف الجوارح عن الآثام، وتمامه بستة أمور: الأول: غض البصر وكفه عن الاتساع في النظر إلى كل ما يُذم ويُكره، والثاني: حفظ اللسان عن الهذيان الكذب والغيبة والنميمة والفحش والجفاء والخصومة والمراء، والثالث: كف السمع عن الإصغاء إلى كل محرم ومكروه؛ لأن كل ما حرم قوله حرم الإصغاء إليه، والرابع: كف بقية الجوارح عن الآثام من اليد والرجل عن المكاره، وكف البطن عن الشبهات وقت الإفطار، والخامس: أن لا يستكثر من الطعام الحلال وقت الإفطار بحيث يمتلئ جوفه، والسادس: أن يكون قلبه بعد الإفطار معلقا مضطربا بين الخوف والرجاء، ليس يدري أن يكون قُبل صومه فيكون من المقربين، أو رُدَّ عليه فهو من الممقوتين".

وليس حفظ الألسنة أيها الصائمون بأولى من حفظ الأقلام والحروف، وكفها عن الزور والخصومة والبهتان، وبخاصة في مواقع التواصل الاجتماعي، وفيما تعارف الناس أن يتكاتبوا فيه.

إن الذين يحملون رسالة الإسلام لا يليق بهم أن يضعفوا عن السيطرة على جوارحهم، ومن ضعف عن إدارة ذاته، وعجز عن تغيير نفسه نحو الأفضل، فكيف سيقود الناس إلى الخير؟! كيف سيهديهم بإذن ربهم إلى الحق؟!

الصوم هو ما صانك عن المعاصي، وقربك إلى الله عز وجل، وحقق فيك صفاء النفس، وطهارة القلب، وبذلك تدنو من ربك، وتدلف إلى حوض حماه، وتحس بنداوة القرب منه سبحانه، وربما ذلك سر قول الله عز وجل بعد آيات الصوم مباشرة: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ}[البقرة: 186]، صاموا صوما تاما جليلا، فأدناهم من ربهم سبحانه، فتأهلوا لمناجاته، واستحقوا إجابته، إنه تنبيه لك أيها الصائم: أن إتقان الصوم يهيئك لمناجاة ربك، ويؤهلك لاستجابته إليك،

رمضان شهر تام، يتكرر كل عام، وكأنه فترة تجنيد إجباري لجميع المكلفين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ليتمرسوا على كبح جماح شهوات الجسد، وتهذيب الأرواح، إنه معركة مجابهة مع النفس، وشهواتها ومحبوباتها، إنه جهاد ومصابرة، يستعلي فيه المؤمن على إغراءات الملذات، والكف عن المغريات، ويصد نفسه عما كان يجترئ عليه من المكروهات والمحرمات، وسيخرج من الصوم تائبا متطهرا، عازما ألا يعود إلى ما كان عليه، يخرج منتصرا على ذاته، متأهلا لجهاد غيره من خصوم دينه ودعوته، إنه شهر من الجهاد الأكبر، الذي هو مواجهة النفس، ومغالبتها، وبذلك يكون الصوم متنزلا للهداية والتوفيق، لأنه جهاد في الله، والله يقول: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ}[العنكبوت: 69].

مرات القراءة: 963

مرات الطباعة: 10

* مرفقات الموضوع
 
تعليقات الموقع تعليقات الفيسبوك