SNW

Content on this page requires a newer version of Adobe Flash Player.

Get Adobe Flash player

  قبســـات

قال الإمام أحمد بن حنبل - رحمه الله -: وجملة التوكل؛ تفويض الأمر إلى الله جل ثناؤه، والثقة به.



1441533093_7507069134.jpg
كلمة الموقع

{قل هو من عند أنفسكم..}!

ما من نعمة تحل بالإنسان، أو شر ينزل به، إلا ولله فيه حكمة، وفيه للإنسان ابتلاء وامتحان، يقول الله عز وجل: {وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً}[الأنبياء: 35]، ويقول سبحانه: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ}[محمد: 31].

والمصائب التي تحل بالأمم والأفراد هي أقدار مكتوبة عند الله في سابق علمه وقضائه، {مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ}[الحديد: 22-23]

وإذا رأينا ما يصيبنا من الأحداث التي تعصف بأمة الإسلام اليوم.. إذا راعتنا الجراح النازفة في كل مكان، فلنعلم أن ذلك لا يخرج عن علم الله وقدره، وهو في ذات الوقت امتحان للقلوب، وتمايز للصفوف، وبلاء يخرج الله به خبيئة النفوس، إن كانت إيمانا أو نفاقا، إن كان صدقا أو كذبا، إن كان حبا لله ورسوله أو حبا للدنيا وزينتها، فتنجلي المصائب متى شاء الله أن تنجلي وقد سمت قلوب ونفوس إلى قمم الصدق والإيمان، وارتكست أخرى إلى مستنقعات الخيانة والنفاق والخور، {أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ}[العنكبوت: 2-3].

فالبلاء إذن سنة الله الماضية، وهي جزء من طبيعة هذه الدنيا، لا تفارق الإنسان ما عاش، وهو المفرزة التي تمايز بين الطيب والخبيث، هو المحك الذي يجلو معادن الناس، هو الكاشف الذي يخرج ما أضمروه.

لكنَّ ديننا العظيم يأبى لنا أن نظل مرتهنين في دوائر العجز والاستضعاف، وأن نركن إلى الذل والمهانة، بل إن الله سيحاسب أقواما يتعللون بالاستضعاف، ويعتذرون بعدم القدرة، {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيرًا}[النساء: 97]، أتاهم التوبيخ والتقريع والوعيد، لأنه كانت أمامهم مساحات واسعة للعمل، وفرص كثيرة للانتصار لأنفسهم ودينهم، وتغيير واقعهم.

كانت لديهم أبواب مفتوحة للخروج من النكبات والذلة التي كانوا فيها، كان أمامهم فرص للأقوال والأفعال والدعاء، والبذل والعطاء، لكنهم استمرؤوا الاستضعاف، وأوهموا أنفسهم بالعجز، واستسلموا للصَغار، واستلذوا استجداء العدو، وتربوا على استرحام الخصم، وعلى أن يكونوا دائما هم الضحية، والله سبحانه يأبى لأمة الإسلام الوهن، بل يحذر من مجرد الشعور بالدونية.

المسلم لا ينبغي له أن يشعر بالدونية، حتى وإن لحقته الهزائم، أو أحاطت به الانكسارات والمصائب، واستمع إلى القرآن يتنزل على المسلمين في أعقاب معركة أحد، وهم بين قتيل وجريح، ومتعب من الحرب مكدود محزون، يقول عز وجل: {ولا تَهِنُوا ولا تَحْزَنُوا وأنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِين}[آل عمران: 139].

أنتم الأعلون حتى وأن حُصرتم أو قُتلتم أو أُسرتم، أنتم الأعلون بإيمانكم، وصدقكم، وجهادكم، أنتم الأعلون بلا إله إلا الله التي في صدوركم، فيجب أن تستصحبوا هذا الشعور، لأنه لا سبيل للنهوض إلا به، ولا سبيل للفوز إلا به، وما لم يُنفخ هذا الإحساس في نفوس أجيال الإسلام، ويُرَب هذا الشعور في قلوبهم، فإنهم لن يتأهلوا للنهوض التغيير، وإن أردنا الخلاص من الداء الذي طال أمده، والذل الذي امتد عهده، فعلينا أن نصغي لكتاب ربنا وسنة نبينا محمد صلى الله عليه وسـلم، لأنهما وحدهما القادران على كشف العلة الكامنة.

لقد ظللنا عهودا نعلق مآسينا ونعللها بقوة أعدائنا، أو ضعف حيلتنا، أو نقص عُدتنا، وسنظل نتخبط في تحديد الأسباب ما لم نعِ قول الله عز وجل: {وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ}[الشورى: 30]، وقوله تعالى {فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَونَ وَكُلٌّ كَانُواْ ظَالِمِينَ}[الأنفال: 54]، وقوله عز وجل: {مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ}[النساء: 79].

إن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون، لكنه جل شأنه يذيقنا بعض ما عملته أيدينا، ويذكرنا ببعض ما اقترفناه، ولو آخذنا بكل ذنوبنا فلن يتركنا على ظهرها، لكنه سبحانه يعفو عن كثير، وعدونا لن يستطيع أن يسوءنا بأكثر مما نسوء به أنفسنا {قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ}[آل عمران: 165]، فبلاؤنا فينا ومن عند أنفسنا، يقول الرسول صلى الله عليه وسلـم مبينا حالنا: "يُوشِكُ أن تَدَاعَى عليكم الأممُ من كلِّ أُفُقٍ، كما تَدَاعَى الْأَكَلَةُ إلى قَصْعَتِها، قيل: يا رسولَ اللهِ، فمِن قِلَّةٍ يَوْمَئِذٍ؟ قال لا، ولكنكم غُثاءٌ كغُثاءِ السَّيْلِ، يُجْعَلُ الْوَهَنُ في قلوبِكم، ويُنْزَعُ الرُّعْبُ من قلوبِ عَدُوِّكم؛ لِحُبِّكُمُ الدنيا وكَرَاهِيَتِكُم الموتَ"(صحيح الجامع 8183)

فمرحلة الانحدار ومسيرة الهوان تبدأ من داخل قلوبنا إذا داخلها الوهن، والوهن لا يحتاج إلى كثير تفسير، ولا طويل بيان، إنه حب الدنيا وكراهية الموت، فإذا تغشت هذه العلل قلوب المسلمين، يحدث تغيير في قلوب الأعداء، فيزول عنها الرعب والمهابة من المسلمين، الذي كانت تنتصر به جيوش الإسلام مسيرة شهر.

لقد علل القرآن الكريم وعللت السنة الصادقة في كثير من المواضع تسلط الأعداء بممارسات الأفراد، وأخطاء الجماهير، كالجرأة على حدود الله، وأكل المال الحرام، وتضييع فروض الدين وواجباته، وهي خطايا تدخل أي بيت، ويمارسها أي فرد، وهي - إن كنا ندري أو لا ندري - مبعث من مباعث الذل، وعلة لتسلط الأعداء، فلا يسوغ للفرد أن يتعلل بأخطاء السياسيين أو تقصير العلماء، ثم يبيح لنفسه أن يتنقل بين منازل العجز وخيانة الأمة، في بيته ونفسه وبنيه وعمله وتجارته.

فإذا سابقْنا أعداءنا على الربا، وزاحمناهم على مواطن الفجور، وشابهناهم في حب الدنيا وكراهية الموت، وماثلناهم في المظاهر والمخابر، فإنهم عندئذ يفوقوننا في العدة والعتاد، فلا تسألوا كيف هزمونا!

وإذا أردنا أن نستأنف مسيرة العز ورحلة الكرامة، فإنها أيضا من عند أنفسنا، بحكمة ربنا وقدرته ومراده منا {إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ}[الرعد: 11]

مرات القراءة: 757

مرات الطباعة: 9

* مرفقات الموضوع
 
تعليقات الموقع تعليقات الفيسبوك