SNW

Content on this page requires a newer version of Adobe Flash Player.

Get Adobe Flash player

  قبســـات

قال الإمام أحمد بن حنبل - رحمه الله -: وجملة التوكل؛ تفويض الأمر إلى الله جل ثناؤه، والثقة به.



1441533093_7507069134.jpg
كلمة الموقع

السائرون إلى بطحاء مكة !

ها هو البلد الأمين قد أشرع أبوابه لاستقبال حجاج البيت العتيق، وها قد ماجت الآفاق بالمحرمين الملبين، وأناخت ركاب المحبين بأرض الهدى ومدرج الإسلام، فالله أكبر! ما أجله من موسم، وما أعظمه من تجمع، وما أشرفه من بيت ضم آفاق الأرض إلى حماه، وتجمعت شتات الأمة في رحابه!

في ظله تذهب كل الفوارق وكل الأعراق والأجناس والحدود والألوان واللغات، فما يُرى غير توحيد الله، هو النسب والرابطة والوشيجة، تتلاشى كل الأطماع والمقاصد، تغيب كل الأهداف إلا رضا الله، فهو الذي جمعهم، وهو غايتهم ومنتهى ما يأملون، ألا فلنحمد الله على أن هدانا للإسلام دينا، وارتضاه لنا ربنا وأتمه وأكمله.

في هذه الأيام تلقي أمم الإسلام بنجائبها إلى مكة المكرمة، وجاءت من كل أمة طائفة، ما جاؤوا تجارا ولا سياحا، ما جاؤوا إلا حبا لهذا الدين، ورضا به، وخضوعا لرب العالمين، وإذعانا لحكمه، فما عسانا أيها المؤمنون، شبابا ودعاة وأهل علم، ما عسانا أن نضيِّف به إخواننا؟ وبم سترجع هذه الأمم المتعطشة؟ بم ستعود وقد وردت منبع الدين ومشكاة نوره، فالله الله أيها المسلمون في تعليمهم ودعوتهم والاحتساب عليهم،

لقد حج الرسول صلى الله عليه وسلم حجة الوداع ومعه ما يقرب من مئة ألف من المسلمين، فكان صلى الله عليه وسلم خير معلم ومرشد، وأرفق قائد وموجه، خطبهم صلى الله عليه وسلم ووعظهم، وأجاب عن مسائلهم، ووجههم للأخذ منه، فقال "خذوا عني مناسككم"، وكان صلى الله عليه وسلم يسلك بهم مسلك التيسير ورفع الحرج، فقال مرارا: "افعل ولا حرج"، وقال: "نحرت هاهنا ومنى كلها منحر"، وخطبهم صلى الله عليه وسلم خطبة الوداع التي قرر فيها قواعد الإسلام ومعالم الدين، ووعظهم حتى بكوا، واستوصوه فأوصاهم بما يصلح دنياهم وأخراهم.

فيا من شددت رحالك وعزمت إلى المسير لبيت الله العتيق-وأعظم به من مسير-، الله الله باتباع سنة بنبيك محمد صلى الله عليه وسلم، فهو خير من حج البيت، وأشرف من طاف به، فاجعل من نفسك قدوة تحتذى، وابدأ بقلبك ونيتك، فاجعل مقصدك خالصا لربك، فقد قال الله عز وجل: {فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ} [الزمر:2]، اجعل انبعاثك من بيتك نقيا من كل نية غير رضا الله عز وجل.

ثم عليك بطيب النفقة، فتخير من مالك أطيبه فإنك تتاجر مع ربك، وقد قال صلى الله عليه وسلم: " إنَّ اللهَ طيِّبٌ لا يقبلُ إلا طيِّبًا، وإنَّ اللهَ أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ}، وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ}. ثم ذكر الرجلَ يطيلُ السَّفرَ، أشعثَ أغبَرَ، يمدُّ يدَيه إلى السماءِ: يا ربِّ! يا ربِّ! ومطعمُه حرامٌ، ومشربُه حرامٌ، وملبَسُه حرامٌ، وغُذِيَ بالحرام، فأَنَّى يُستجابُ لذلك؟" (رواه مسلم). أنى يستجاب لأكلة الحرام، وبأي وجه سيقفون في المشاعر والملتزم، فويل لأكلة الربا والمختلسين والمرتشين والمتاجرين بما حرم الله مما يُؤكل أو يُشرب، أو يُسمع أو يُشاهد.

ثم عليك أيها الحاج بالصحبة الطيبة، أهل الخشوع والدموع، أهل العبادة والجد، وإياك وصحبة البطالين أو المستهترين المهرجين، فإنك تخسر بصحبتهم حجك وقلبك ودمعتك، وحسبك به رزء وخسارة.

سترى –أيها الحاج الداعية- أقواما متلهفين للعلم والنور والهدى، جاؤوا إلى منبع النور، فليشربوه صافيا نقيا كما أراده الله، وذلك فضل الله عليك وعليهم، وقد جاؤوا إليك ولم تحمل مؤونة الذهاب إليهم، فكن في نفسك أسوة حسنة لهم، بسكينتك وخشوعك، فالحج عبادة عظيمة، روحها الخشوع كما الصلاة روحها الخشوع، فقد كان أسلافنا الصالحون يعظمون الحج ويستشعرون معنى الإحرام، فعندهم انخلاع من كل الشهوات، وتوجه بالقلب والبدن إلى من حجوا له، وكان أنس بن مالك رضي الله عنه إذا أحرم لم يتكلم في شيء من أمر الدنيا حتى يتحلل من إحرامه.

والحج أيها المؤمنون امتحان للأخلاق، وامتلاك للنفوس، فاجتماع الناس في أماكن محصورة مدعاة لحصول ما لا ترضاه نفوسهم، واجتماع أشتات الناس مظنة لتنافر طباعهم، وهنا تتجلى صفات الحاج المؤمن الداعية، إذ يخالط الناس برح المحتسب الصابر، والأخ الشفيق، يبسم لإخوانه وإن عبسوا في وجهه، يلين لهم وإن قسوا عليه، يفسح لهم وإن ضيقوا عليه، يريهم من نفسه سماحة الدين وكرم العقيدة، يشعرهم بالرابطة التي يحسها في قلبه لهم، يدل ضالهم، ويعين كَلَّهم، ويحمل عن ضعيفهم، وهذه الأخلاق لا تطيقها إلا نفس مطمئنة بذكر الله وتسبيحه وتهليله وتكبيره، لا يقوى عليها إلا قلب غشيته السكينة، ولذلك نادى بها الرسول صلى الله عليه وسلم في جموع الحجيج في منى لما رأى ازدحام الناس وإسراع بعضهم على بعض فقال: "عليكم بالسكينة فإن البر ليس بالإيضاع"، وفي رواية "فإن البر ليس بإيجاف الأبل" قال الراوي فما رأيت ناقة رافعة يدها عادية حتى بلغت منى.

واعلم أيها الحاج أن من أسباب المغفرة وأبواب الفوز بالحجة المبرورة أن تحفظ جوارحك، وأن تضبط بصرك وسمعك ولسانك، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: " كان فلانٌ رِدْفَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يومَ عرفةَ، فجعل الفتَى يُلاحظُ النِّساءَ وينظُرُ إليهنَّ، فقال له رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ابنَ أخي، إنَّ هذا يومٌ من ملك فيه سمعَه وبصرَه ولسانَه غُفر له" (حديث صحيح)

فالازدحام أيها الحاج فيه عورات وعثرات وزلات، فغض طرفك إلا عن كتاب الله، وابتغاء مناسك حجك، وخدمة إخوانك، واحبس لسانك إلا عن التلبية والتكبير وتعظيم الله، وامسك يدك إلا عن الخير والمعروف والإحسان والبر، واحفظ سمعك وبطنك عن أن يدخلهما ما لا يرضاه ربك، فإن الفرصة وإن سنحت فإنها قد لا تعود، {فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ} [البقرة:197]، قال صلى الله عليه وسلم "مَن حجَّ هذا البيتَ، فلم يَرفُثْ، ولم يَفسُقْ، رجَع كيومَ ولدَتْه أمُّه" (متفق عليه)

واحذر كل الحذر أن يداخلك رياء وزهو أو ابتغاء سمعة في كل ما تأتي وتذر، فإنه لاحظ لمراء يسمِّع بما فعل، ومن سمَّع سمَّع الله به، وفي الحديث القدسي: "مَن عمِل عملًا أشرك فيه معِي غيرِي ، تركتُه وشركُه" (رواه مسلم)، قال رجل لابن عمر رضي الله عنهما لما رأى الحجاج الكثير: ما أكثر الحاج! قال له ابن عمر: بل ما أقلهم! وقال شريح القاضي: الحاج قليل والركب كثير، فما أكثر من يعمل الخير ولكن ما أقل الذين يردون وجه الله!

خليلي قطاع الفيافي إلى الحمى   كــــثـر وأما الواصــلون قلـيل

وجــوه عليها للقبــول علامــة    وليس على بعض الوجوه قبول

فاملأ قلبك بقصد ربك، وانظر في عظمة الزمان والمكان، وعظِّم ما عظمه ربك من الشعائر والشرائع، {ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ} [الحج:32].

مرات القراءة: 975

مرات الطباعة: 35

* مرفقات الموضوع
 
تعليقات الموقع تعليقات الفيسبوك