اللجنة العلمية لموقع دعوة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام
اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ۚ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ ۚ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ۚ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ۖ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ
دعوة الانبياء
كان لنبي الله يعقوب - عليه السلام - من
البنين اثنا عشر ولدًا ذكرًا، وإليهم تُنسب أسباط بني إسرائيل كلهم، وكان أشرفهم
وأجلهم وأعظمهم يوسف - عليه السلام -.
وقد ذهب طائفة من العلماء إلى أنه لم يكن
فيهم نبي غيره، وباقي إخوته لم يوحَ إليهم، وهو ما رجحه الإمام ابن كثير - رحمه
الله - في تفسيره.
ويؤكده ما روى البخاري عن ابن عمر - رضي
الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:
"الكريمُ، ابنُ الكريمِ، ابنِ الكريمِ،
ابنِ الكريمِ، يوسفُ بنُ يعقوبَ بنِ إسحاقَ بنِ إبراهيمَ
عليهم السَّلامُ".
(البخاري: 3382)
وقد بشَّره يعقوب - عليه السلام - باصطفاء
الله - عز وجل - له حينما قصَّ عليه الرؤيا التي رأها في منامه؛ قال تعالى:
}وَكَذَلِكَ
يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ
نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ
مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ{ [يوسف: 6].
قال ابن كثير في تفسيره:
"يقول
تعالى مخبرًا عن قول يعقوب لولده يوسف:
إنه كما
اختارك ربك وأراك هذه الكواكب مع الشمس والقمر ساجدة لك كذلك يجتبيك ربك، أي:
يختارك ويصطفيك لنبوته ويعلمك من تأويل الأحاديث. قال مجاهد وغير واحد:
يعني
تعبير الرؤيا، {ويتم نعمته عليك} أي بإرسالك والإيحاء إليك، ولهذا قال:
{كما
أتمها على أبويك من قبل إبراهيم} وهو الخليل {وإسحاق} ولده، ...، {إن ربك عليم
حكيم} أي: هو أعلم حيث يجعل رسالته، كما قال في الآية الأخرى". (تفسير القرآن
العظيم: 4/318).
وقد تحققت
تلك البشارة، واصطفى الله عز وجل يوسف - عليه السلام -؛
قال تعالى:
}وَلَمَّا
بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ{ [يوسف: 22]،
قال ابن كثير - رحمه الله -:
ولما بلغ يوسف - عليه السلام - أَشُدَّهُ أي: استكمل
عقله وتم خلقُه، {آتيناه حكمًا وعلمًا} يعني النبوة، إنه حباه بها بين أولئك
الأقوام، {وكذلك نجزي المحسنين} أي: إنه كان محسنًا في عمله عاملًا بطاعة الله
تعالى. (تفسير القرآن العظيم: 4/325).
وقد اختُلف في مقدار المدة التي بلغ فيها أشده:
فقال ابن عباس ومجاهد وقتادة: ثلاث وثلاثون سنة.
وعن ابن عباس: بضع وثلاثون.
وقال الضحاك: عشرون.
وقال الحسن: أربعون سنة.
وقال عكرمة: خمس وعشرون سنة.
وقال السدي: ثلاثون سنة.
وقال سعيد بن جبير: ثماني عشرة سنة.
وقال الإمام مالك وربيعة بن زيد بن أسلم والشعبي: الأشد
الحلم، وقيل غير ذلك، والله أعلم.
وقد سار نبي الله يوسف - عليه السلام - على ذات النهج
الذي ورثه عن الأنبياء والمرسلين والمتمثل في الدعوة إلى التوحيد، ونبذ الشرك
بالله تعالى، قال تعالى:
}وَاتَّبَعْتُ
مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ
نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى
النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ{ [يوسف: 38].
فهو يصرح بأنه قد اتبع ملة آبائه الكرام ولم يتبع ملة
قوم كفروا بالله - عز وجل -، وهذا يُبيّن شدّة إتّباعِ يوسف - عليه السّلام - لآبائه
الأنبياءِ واقتفاءِ آثارهم، فسمّاهم وعرّفهم بأسمائهم وقدّم في ذكرهم الخليل
إبراهيم - عليه السّلام - الذي إليه تعودُ ملّة التّوحيد، والذي تنازعَ فيه النّاس
من يهودٍ ونصارى ومُشركين، كلٌّ يدّعي أنّه أولى به من غيرهم، ولكنّ يوسف - عليه
السّلام - صرّح لهم أنّ أباهُ إبراهيم - عليه السلام - لم يكن كذلك، بل كان حنيفًا
مُسلِمًا، وما كان من المُشركين، وكذلك آبائه إسحاق ويعقوب - عليهما السلام -،
كلّهم ورثوا النّبوةَ عن إبراهيم - عليه السّلام -، ثمّ ورّثوها لمن بعدهم، ومنهم
يوسف - عليه السّلام - فلم يُبدّل ولم يُحرّف، بل عمِلَ بوصيّة آبائه في حياتهم
وبعد موتهم، كما أخبر الحق - سبحانه وتعالى -:
}وَوَصَّى
بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى
لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ{ [البقرة: 132].
وقد ظهرت معالم
التوحيد في دعوة يوسف - عليه السلام - واضحة جلية في حديثه إلى صاحبيه في السجن،
وفي غيرها من المواقف، وهو ما سنعرض له تفصيلًا - بإذن الله - في الحلقات القادمة.





التعليقات (0)