logo

التوسل: المشروع والممنوع (10)

التوسل: المشروع والممنوع (10)

  • الشيخ الدكتور عواد بن عبد الله المعتق
  • 2023/11/16
  • 0 تعليق
  • 385 قراءة

شبهاتهم فيما استدلوا به من السنة والآثار

الشبهة الثالثة:

ما روي عن أبي سعيد الخدري مرفوعا قـال: \"من خرج من بيته إلى الصلاة فقال: اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك، وأسألك بحق ممشاي هذا، فإني لم أخرج أشرا ولا بطرا ولا رياء ولا سمعـة، وخرجت اتقاء سخطك وابتغاء مرضاتك، فأسألك أن تعيذني من النار، وأن تغفر لي ذنوبي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، أقبل الله عليه بوجهه، واستغفر له سبعون ألف ملك\"(1).  

وقد استدل به أحمد دحلان، والزهاوي ومن وافقهما على جواز التوسل بكل عبد مؤمن. يقول أحمد دحلان - بعد أن ساق الحديث-: \"فانظر قوله: (بحق السائلين عليك) فإن فيه التوسل بكل عبد مؤمن\"(2). ويقول الزهاوي بعد أن ساق الحديث: \"فقد توسل النبي عليه الصلاة والسلام في قوله: \"إني أسألك بحق السائلين عليك\" بكل عبد مؤمن، وأمر أصحابه أن يدعوا بهذا الدعاء فيتوسلوا مثل توسله\"(3)

الجواب:

أولا: الحديث شديد الضعف فـلا يحتج به؛ لأنه من طريق فضيل بن مرزوق عن عطية بن سعد العوفي عن أبي سعيد الخدري، وفضيل وعطية كلاهما ضعيف.

فأما فضيل فقد ضعفه أبو حاتم والنسائي والحاكم، وقال ابن حبان: \"يخطئ على الثقات، ويروي عن عطية الموضوعات\"، وقال الرازي: لا يحتج به. وأما عطية بن سعد فقال ابن تيمية والذهبي: \"مجمـع على ضعفه\"، وأورده الذهبي في الضعفاء والمتروكـين(4)، وقال ابن حجر: \"كان شيعيا مدلسا\"(5). وقال ابـن حبان: \"سمع من أبي سعيد الخدري أحاديث، فلما مات جعل يجالس الكلبي، فإذا قال الكلبي قال رسول الله صلى الله عليه وسـلم حفـظ ذلك ورواه عنه وكناه أبا سعيد فيظن أنه أراد (الخدري) وإنما أراد (الكلبي) لا يحل كتب حديثه إلا على التعجب\"(6). والكلـبي: هو محمد بن السائب أحد المعروفين بالكذب في الحديث.(7) وعلى هـذا فعطية شيعي مدلس مجمع على ضعفه فلا يحتج بروايته.

وقد روي من طريق آخـر مع اختلاف يسير في اللفظ، أخرجه أبو بكر بن السني في عمل اليوم والليلة برقم (84) من طريق الوازع بن نافع العقيلي عن أبي سلمة بن عبدالرحمن عن جابر بن عبدالله عـن بـلال رضي الله عنه(8)، وهو حديث ضعيف أيضا كما قـال النووي وابن تيمية(9)؛ ذلـك أن في سنده الوازع وهو ضعيف الحديـث جـدا، ليس بشيء كما قال أبو حاتم وأبو زرعة، بل قـال الحـاكم: روى أحـاديث موضوعة، وكـذا قال غيره، وقال ابن عدي: عامة ما يرويه الوازع غير محفوظ. وقال النووي والهيثمي: متفق على ضعفه، وقال أحمد وابن معين: ليس بثقة. وعليه فلا يحتج بالحديث على كلا الروايتين.

ثانيا: على فرض صحة الحديث فإنه لا يؤيد مدعاهم، ذلك أنه توسل بحق السائلين وبحق ممشاه إلى المسجد، وهو حق العابدين، وحق السائلين أن يجيبهم، وحق العابدين أن يثيبهم، وهما مما جعله على نفسه حقا تكرما وفضلا، قال تعالى: {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} وقال تعالى: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ}. وقال تعالى: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ}. وفي الصحيح من حديث معاذ: \"حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، وحقهم على الله إذا فعلوا ذلك أن لا يعذبهم\"(10)، فيكون السائل- هنا- قد توسل بالإجابة، والإثابة التي هي من صفات الله الفعلية، والتوسل بأسماء الله وصفاته مشروع، قال تعالى: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} قال ابن تيمية: \"وهذا الحديث هو من رواية عطية العوفي عن أبي سعيد وهو ضعيف بإجماع أهل العلم، وقد روي من طريق آخر، وهو ضعيف أيضا، ولفظه لا حجـة فيه، فإن حق السائلين عليه أن يجيبهم وحق العابدين أن يثيبهم وهو حق أحقه الله تعالى على نفسه الكريمة بوعده الصادق باتفاق أهل العلم\"(11)

الشبهة الرابعة:

عن أبي أمامة قال: \"كان رسول الله صلى الله عليه وسـلم إذا أصبح وإذا أمسى دعا بهذا الدعاء: اللهم أنت أحق من ذكر، وأحق من عُبد، أسألك بنور وجهك الذي أشرقت له السماوات والأرض، وبكل حق هو لك، وبحق السائلين عليك... الحديث(12). وجه استدلالهم: أنه ورد فيه سؤال بحق السائلين- فدل على جواز السؤال بكل عبد مؤمن- كالحديث السابق.

الجواب:

هذا الحديث لا يحتج به لضعفه. قال الهيثمي في مجمع الزوائد: \"رواه الطبراني - وفيه فضالة بن جبير، ضعيف مجمع على ضعفه\"(13)، وقـال ابن عدي: \"ولفضالة عن أبي أمامة قدر عشرة أحاديث كلها غير محفوظة\"(14)، وروى الكناني عن أبى حاتم الرازي قال: \"ضعيف الحديث\"(15). وقال ابن حبان: \"لا يحـل الاحـتجاج بـه بحال: يـروي أحاديث لا أصل لها\"(16). وقال الألباني: \"الحديث شديد الضعف فلا يجوز الاستشهاد به\"(17). وعلى هذا فالحديث شديد الضعف فلا يحتج به، ولو فرض صحته فـإن قوله: \"وبحق السائلين عليك\" إنما هو سؤال بالإجابة، وهـي من صفات الله الفعلية، والتوسل بصفات الله مشروع(18). وعليه فلا دلالة الحديث على شيء من التوسل الممنوع.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)  رواه ابن ماجة برقم 778 في المساجد ولجماعات، باب المشي إلى الصلاة، وأحمد في المسند برقم 11156، وأسناده ضعيف، انظر: سلسلة الأحاديث الضعيفة ج1 ص 34-37. ومسند الإمام أحمد ج17 ص 248 (الحاشية)، وجامع الأصول ج4 ص 318 (الحاشية)

(2)  انظر الدرر السنية: 6-7.

(3)  الضياء الشارق 532.

(4)  قاعدة جليلة ص 107 وديوان الضعفاء والمتروكين للذهبي ج 2 ص 159 وانظر ميزان الاعتدال ج 5 ص 100، 101.

(5)  تقريب التهذيب ج 2 ص 24.

(6)  الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي ج 2 ص 180.

(7)  انظر : صيانة الإنسان ص 106 والتوسل للألباني ص 104.

(8)  انظر : عمل اليوم والليلة باب ما يقول إذا خرج إلى الصلاة ص 42- 43.

(9)  انظر : الأذكار للنووي ص 32 وقاعدة جليلة ص 107.

(10)             صحيح البخاري الاستئذان (6267)، صحيح مسلم الإيمان (30) سنن الترمذي الإيمان (2643)، سنن ابن ماجه الزهد (4296)، مسند أحمد (5/242).

(11)             قاعدة جليلة ص 107، 108.

(12)             رواه الطبراني المعجم الكبير 8 ص 316، 317.

(13)             مجمع الزوائد ج 10 ص 120.

(14)             الكامل لابن عدي ج 6 ص 21.

(15)             صيانة الإنسان ص 130

(16)             صيانة الإنسان ص 130.

(17)             التوسل للألباني ص 110.

(18)             انظر : كشف غياهب الظلام ص 263 وسلسلة الأحاديث الضعيفة ج 1 ص 46.


تعليقات

{{comment.UserName}} {{comment.CreationTime | date : "MMM d, y - h:mm:ss a"}}

{{comment.Description}}

إضافة تعليق

;